تخيل مشهداً يكسر كل قواعد الطبيعة المألوفة: رمال ذهبية حارقة تعانق بلورات الثلج الباردة في لوحة سريالية لا تتكرر كثيراً. هذا بالضبط ما شهدته مناطق واسعة من الصحراء الجزائرية مؤخراً، حيث استيقظ السكان والسياح على حلة بيضاء ناصعة غطت المرتفعات والكثبان، مما حول المنطقة إلى قبلة سياحية استثنائية جذبت الأنظار محلياً وعالمياً.
موجة برد قطبية تصنع الحدث في الجنوب الجزائري
في حدث مناخي لافت، اجتاحت موجة من الثلوج المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية للجزائر مع بداية هذا الأسبوع. ووفقاً لتقارير الأرصاد الجوية والمشاهدات الميدانية، لم تكن هذه الزخات عابرة، بل تراكمت لتشكل طبقة سميكة تراوحت بين 5 و15 سنتيمتراً في بعض المناطق.
شمل هذا الزائر الأبيض ولايات عديدة، أبرزها:
- النعامة (وتحديداً عين الصفراء والمشرية).
- تيارت وتيسمسيلت.
- البيض والأغواط والجلفة.
- مرتفعات تلمسان وسيدي بلعباس.
علاوة على ذلك، يتوقع خبراء الطقس استمرار هذه الأجواء الشتوية وتواصل تساقط الثلوج حتى منتصف نهار الثلاثاء، مما يمنح عشاق التصوير والسفر فرصة إضافية لتوثيق هذه اللحظات.
عين الصفراء.. “بوابة الصحراء” تتزين بالأبيض
كان لولاية النعامة، وتحديداً مدينة “عين الصفراء” الملقبة بـ “بوابة الصحراء”، النصيب الأكبر من هذا السحر. فقد رسمت الثلوج خطوطاً بيضاء دقيقة فوق تموجات الرمال، وكسَت قمم الجبال المحيطة مثل “جبل مكثر” و”جبل عيسى” (الذي يعد جزءاً من سلسلة الأطلس الصحراوي).
أدى هذا التحول المناخي المفاجئ إلى خلق أجواء احتفالية وسط السكان؛ حيث هرع المواطنون من الولايات المجاورة، رغم انخفاض درجات الحرارة المحسوس، للاستمتاع بمنظر الكثبان الرملية وهي ترتدي قبعات الثلج، في تباين لوني نادر يجمع بين حرارة الصحراء وبرودة الشتاء.
رأي العلم: لماذا تتساقط الثلوج في الصحراء؟
قد يبدو الأمر غريباً للبعض، لكنه علمياً مبرر. يوضح المختص في الأرصاد الجوية، رابح قاضي، أن هذه الظاهرة، وإن كانت نادرة، إلا أنها ليست مستحيلة.
يقول قاضي في تصريح خاص:
“تحدث هذه الظاهرة عادة عندما تلتقي جبهات هوائية باردة جداً قادمة من الشمال مع رطوبة مرتفعة في مناطق تتجاوز ارتفاعاتها 1000 إلى 1100 متر فوق سطح البحر. في الجزائر، تكرر هذا المشهد في عين الصفراء وبشار، حيث تنخفض درجات الحرارة ليلاً إلى ما دون الصفر المئوي، مما يسمح للثلوج بالتماسك فوق الرمال”.
ويشير قاضي إلى أن التوقعات الحالية تبشر باستمرار التساقط بسماكات معتبرة على المرتفعات، مما يعزز فرص استمرار المشهد لأيام قليلة قبل ذوبان الثلوج تحت شمس الصحراء.
انتعاشة سياحية وفرص استثمارية واعدة
لم يمر الحدث دون أن يترك أثراً إيجابياً على قطاع السياحة. يرى الخبراء أن “ثلوج الصحراء” تعتبر محفزاً قوياً للسياحة الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، أكد المختص في السياحة والبيئة، رابح عليلش، أن الجزائر تمتلك مقومات فريدة تجعلها تتصدر الوجهات السياحية في أفريقيا، خاصة وأنها أكبر بلد في القارة بمساحة تتجاوز 2.3 مليون كيلومتر مربع.
وأضاف عليلش محللاً الوضع:
“التنوع البيولوجي والجغرافي في الجزائر مذهل؛ يمكنك الانتقال من الشواطئ الدافئة إلى قمم الجبال الثلجية ثم إلى عمق الصحراء في وقت قياسي. مشهد الثلوج فوق الرمال تجربة قد لا يعيشها السائح في أي مكان آخر بالعالم”.
ومع ذلك، شدد عليلش على ضرورة استغلال هذه الظواهر الطبيعية لتطوير البنية التحتية، قائلاً: “هذا الجمال الطبيعي يضع مسؤولية كبيرة على عاتق السلطات والمستثمرين الخواص لتوفير مرافق إيواء وفنادق وأماكن ترفيهية تليق بحجم الإقبال السياحي، لضمان تجربة مريحة للسائح الجزائري والأجنبي على حد سواء”.
تمثل ثلوج صحراء الجزائر دعوة مفتوحة لاكتشاف الجانب الآخر من الصحراء الكبرى. وأن الجزائر وجهة سياحية واعدة بامتياز، تمتلك كل المقومات لتكون رائدة السياحة البيئية والمغامراتية في المنطقة.



