تخيل أن تمشي في أروقة مدينة رومانية عمرها أكثر من 2000 عام، لتجد تحت قدميك رمزاً يمثل قمة التطور التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين. هذا بالضبط ما حدث في تونس مؤخراً، حيث أثارت صور فسيفساء شعار ChatGPT جدلاً واسعاً ودهشة عالمية. فهل سرقت التكنولوجيا الحديثة رموزها من شمال إفريقيا؟ أم أن الهندسة لغة عالمية لا تعترف بالزمن؟
اكتشاف مذهل في موقع “بلاريجيا” الأثري
بدأت القصة عندما تداول نشطاء منصات التواصل الاجتماعي صوراً لقطعة أثرية فريدة من نوعها. هذه القطعة ليست مجرد نقش عادي، بل هي فسيفساء شعار ChatGPT كما أطلق عليها الجمهور، نظراً للتطابق المذهل بينها وبين أيقونة شركة OpenAI الشهيرة.
تقع هذه اللوحة الفنية في الموقع الأثري الشهير “بــلاّريجيا” (Bulla Regia) في ولاية جندوبة، شمال غرب تونس. تشتهر هذه المدينة الرومانية بمنازلها المبنية تحت الأرض هرباً من الحرارة، وبأرضياتها الفسيفسائية التي تعد من الأجمل في حوض المتوسط.
في الواقع، إن وجود هذا النقش الهندسي في تونس ليس غريباً؛ فالمتاحف التونسية، وعلى رأسها متحف باردو، تزخر بملايين القطع الفسيفسائية التي توثق الحياة اليومية، الأساطير، والأنماط الهندسية المعقدة التي برع فيها الفنانون القدامى.
السر الهندسي: زهرة الحياة واللغة المشتركة
لعل السؤال الذي يتبادر إلى ذهنك الآن هو: كيف تمكن الرومان من رسم شعار لشركة تأسست عام 2015؟ الإجابة تكمن في الرياضيات، وتحديداً في ما يسمى “الهندسة المقدسة”.
يعتمد كل من فسيفساء شعار ChatGPT ورمز شركة OpenAI على شكل هندسي قديم يُعرف بـ “زهرة الحياة” (Flower of Life) أو الأنماط السداسية المتداخلة. يتميز هذا النمط بما يلي:
- التناظر التام: توازن دقيق يريح العين ويعكس الكمال.
- الدوائر المتداخلة: تمثل الترابط واللانهاية.
- الشكل السداسي: هو أحد أقوى الأشكال في الطبيعة (مثل خلايا النحل).
بالتالي، لم يتنبأ الرومان بالمستقبل، ولم تسرق OpenAI التراث التونسي حرفياً. الحقيقة هي أن كلا الطرفين نهل من نفس النبع الهندسي الخالد. الفنان الروماني استخدمه لجماله الزخرفي، ومصممو الذكاء الاصطناعي استخدموه ليعبروا عن الدقة، البيانات، والترابط الشبكي.
موقف شركة OpenAI من التشابه
على الرغم من الضجة الكبيرة التي أحدثتها فسيفساء شعار ChatGPT، لم تصدر شركة OpenAI أي تعليق رسمي يؤكد استلهامهم المباشر من آثار تونس.
وبحسب وثائق التصميم الخاصة بالشركة، فإن شعارها يهدف لتمثيل “الذكاء والتعاون”. ومع ذلك، فإن الصمت الرسمي لم يمنع التونسيين من الشعور بالفخر. فمجرد تقاطع رؤية مصممي وادي السيليكون مع حرفيي قرطاج والرومان يثبت أن تونس كانت ولا تزال أرضاً للإبداع البصري.
أثر “التريند” على السياحة التونسية
تحول هذا الجدل الرقمي إلى فرصة ذهبية للسياحة الثقافية. فقد أصبح البحث عن فسيفساء شعار ChatGPT سبباً جديداً لزيارة موقع بلاريجيا.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت هذه القصة في:
- لفت الأنظار للآثار المنسية: تسليط الضوء على مواقع أثرية خارج العاصمة تونس.
- تنشيط النقاش الثقافي: دمج التكنولوجيا بالتراث، مما يجذب جيل الشباب لزيارة المتاحف.
- تعزيز الهوية: التأكيد على أن جذور التصميم الحديث تمتد عميقاً في تاريخ المنطقة.
الماضي والمستقبل في صورة واحدة
في الختام، سواء كانت القصة مجرد صدفة هندسية بحتة أو توارد خواطر فنية عبر الزمن، فإن فسيفساء شعار ChatGPT في بلاريجيا تظل شاهداً على عبقرية الإنسان. إنها تذكرنا بأن التكنولوجيا، مهما تطورت، فإنها تبني دائماً على أسس وقواعد وضعها أجدادنا منذ آلاف السنين.
لذلك، إذا كنت تخطط لرحلتك القادمة، فلا تفوت زيارة تونس لترى بعينك كيف يلتقي التاريخ بالمستقبل في لوحة فسيفساء واحدة.
المصدر:
مجلة قرطاج (Carthage Magazine)



