خلال مهمة بحثية في متنزه بوهاشم الطبيعي شمالي المغرب، وثق فريق علمي بقيادة الباحث محمد الأمين المودن من جامعة عبد المالك السعدي اكتشافاً لافتاً نُشر في دورية “إنترناشونال جورنال أوف إنتومولوجي”. تضمن الاكتشاف نوعاً جديداً للعلم، وثمانية أنواع أخرى تُسجل لأول مرة في المغرب أو شمال أفريقيا، أبرزها حشرة المرتفعات الأسكتلندية “كريغدهوبيا مالوكوروم” (Craigomyia malkorum).
لغز جغرافية “الذبابة الأسكتلندية”
تنتمي هذه الحشرة النادرة إلى فصيلة “ميسيتوفيليدي” (Mycetophilidae) المعروفة بـ “ذباب الفطريات”، والتي تعيش يرقاتها في الغابات الرطبة والمواد العضوية. وُصفت علمياً عام 1999، وظلت معروفة حصرياً من ثلاثة مواقع فقط في المرتفعات الأسكتلندية، ليُسجل وجودها في المغرب كأول رصد لها خارج الجزر البريطانية.
يثير هذا الاكتشاف مفارقة جغرافية لافتة: كيف وصلت حشرة من أسكتلندا إلى المغرب دون تسجيلها في أي بلد واقع بينهما؟ يطرح الباحثون ثلاث فرضيات رئيسية:
- اتساع النطاق الفعلي: قد يكون انتشار الحشرة أوسع بكثير، لكنها تعيش في موائل محددة ونادراً ما تُرصد.
- بقايا توزيع تاريخي: قد تكون التجمعات في أسكتلندا والمغرب بقايا لتوزيع جغرافي أوسع تشكل عبر التغيرات المناخية القديمة.
- النقل البشري: احتمال انتقال المراحل غير البالغة (اليرقات) بواسطة أنشطة الإنسان.
يؤكد الباحثون أن العينة المغربية تثبت وجود النوع لكنها لا تحدد وقت أو طريقة وصوله، مشيرين إلى أن الأمر يتطلب مسوحات ميدانية في الدول الواقعة بين المنطقتين ومقارنات جينية.
حصيلة غنية في متنزه بوهاشم
لم يقتصر الاكتشاف على “ذبابة أسكتلندا”، بل شمل تسجيل 8 أنواع من ذباب الفطريات لأول مرة في المغرب (6 منها جديدة على شمال أفريقيا)، إضافة إلى توثيق نوع جديد تماماً سُمي “إكتريبستونورا بوهاشمنسيس” نسبةً إلى مكان الاكتشاف.
يعود هذا التنوع الكبير إلى البيئة الغنية لمتنزه بوهاشم الذي تغطي الغابات 40-50% من مساحته، إلى جانب الينابيع والجداول والمستنقعات الموسمية التي توفر رطوبة ومواد عضوية مثالية لنمو يرقات ذباب الفطريات.
خريطة غير مكتملة للتنوع البيولوجي
يُعد المغرب من أغنى دول حوض البحر المتوسط من حيث التنوع البيولوجي البري (في المرتبة الثانية بعد تركيا). ويؤكد الباحثون أن هذه الاكتشافات تعكس فجوة أوسع في معرفتنا بحشرات المنطقة، حيث تشير التقديرات العالمية إلى وجود ملايين الأنواع غير الموصوفة علمياً بعد.
تُظهر هذه الدراسة أن النطاق الجغرافي الضيق لبعض الحشرات قد يكون ناتجاً عن قلة المسوحات العلمية وليس محدودية انتشارها الفعلي، مما يبرز أهمية مواصلة العمل الميداني في المناطق المحمية لفهم تاريخ التنوع البيولوجي في غرب البحر المتوسط.



