الصراع الأمريكي الإيراني: حالة “لا سلم ولا حرب”
رغم تضارب التصريحات بين واشنطن التي تؤكد اقتراب نهاية الحرب وأن طهران لم تعد قادرة على الصمود، وطهران التي تعلن تحطيم غرور الجيش الأمريكي، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار الصراع وفق معادلة “لا سلم ولا حرب”. يرى كل طرف أنه في وضع لا يستدعي تقديم تنازلات جوهرية؛ فإيران تعتقد أنها حافظت على أدوات ردعها وصمودها الإستراتيجي، بينما تراهن الإدارة الأمريكية على سياسة “الحصار الأقصى” وعملية “الغضب الملحمي” لتصفير صادرات النفط واستهداف النقاط الحيوية.
تمتنع الأطراف عن الحسم لعدم الرغبة في تحمل التكاليف الباهظة؛ فواشنطن تعتمد “الضربات الدورية” لإبقاء القدرات الإيرانية ضعيفة دون التورط في إسقاط النظام، بينما تستغل طهران الصراع لإعادة بناء الردع وتوسيع جبهات الملاحة وفرض قواعد جديدة.
أسباب تعثر التسوية السياسية
كشفت المفاوضات الإيرانية الأمريكية المتعثرة عن بقاء نقاط الخلاف التاريخية وإضافة ملفات أشد تعقيداً:
- الملف النووي: تصر واشنطن على نقل مخزون إيران البالغ نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج أراضيها وتصفير التخصيب تماماً، بينما تتمسك طهران بالاحتفاظ بحد أدنى من عمليات التخصيب.
- أزمة الثقة: تخشى إيران أن يفقدها أي تنازل عسكري مناعتها، بينما تعتبر واشنطن أن تقديم إعفاءات يكافئ السلوك الإيراني. هذا التباين أدى إلى انهيار “تفاهم يونيو” حول إدارة مضيق هرمز والإفراج عن الأصول.
هل تستنسخ واشنطن الفخ العراقي مع إيران؟
تشير القراءات إلى تشابهات ملحوظة في النمط السلوكي للإدارة الأمريكية تجاه العراق في التسعينيات وإيران اليوم:
- تطور الأهداف: تحول الهدف الأمريكي تدريجياً من تجريد السلاح إلى السعي نحو تغيير النظام (كما جرى إقرار قانون تحرير العراق عام 1998).
- الضغط العسكري الموازي: التلويح بالمفاوضات بالتزامن مع توجيه ضربات عسكرية، مثل عملية “ثعلب الصحراء” عام 1998 والهجمات المتزامنة مع المسار الدبلوماسي.
- تدمير البنية التحتية: استخدام القوة المفرطة لتقويض البنى التحتية النفطية والصناعية والتلويح بإعادة البلاد إلى العصر الحجري.
- العقوبات والحصار: فرض حظر اقتصادي ومالي وجوي مشدد، وإن كانت إيران تنجح في استغلال شبكات مالية ومنافذ غير مباشرة بخلاف الحالة العراقية الصارمة.
الفوارق الجوهرية بين الحالتين
رغم التشابه السلوكي، توجد فروق حاسمة تمنع مطابقة النموذجين تماماً:
- الرد الميداني: فقد العراق قدرته الفعالة بعد عام 1991، بينما تمتلك إيران اليوم قدرة صاروخية وبطائرات مسيرة رداً على المواقع الأمريكية.
- الشبكة الإقليمية: واجه العراق عزلة شبه كاملة، في حين تعتمد إيران على شبكة حلفاء إقليميين فاعلين يؤثرون على الملاحة الدولية (مثل البحر الأحمر).
- تكلفة التدخل: تتجنب واشنطن أي خيار لغزو بري أو احتلال ممتد لإيران، مقتصرة على الضربات الجوية والبحرية.
- التوازنات الدولية: تزامن حظر العراق مع تفكك الاتحاد السوفيتي وهيمنة أحادية، بينما يواجه العالم اليوم منافسة حادة تقودها الصين وروسيا.
المدى المنظور: توازن هش بلا حسم
تتجه الأوضاع نحو توازن هش قابل للانفجار عند أي خطأ في الحسابات. النتيجة المرجحة ليست سلاماً شاملاً ولا حزماً عسكرياً مطلقاً، بل استمرار الصراع عبر ضربات محدودة، وضغوط اقتصادية، ومفاوضات متقطعة، نظراً لغياب مخرج سياسي منخفض التكلفة للطرفين.



