زرع باحثون في جامعة ستانفورد خلايا دماغية بشرية نمت مخبرياً داخل أدمغة فئران جرى تعديلها وراثياً. يهدف هذا النموذج، المعروف باسم “الفئران ذات القشرة المخية الغريبة”، إلى توفير وسيلة دقيقة لدراسة الدوائر العصبية والاضطرابات البشرية المستعصية مثل الفصام، الشلل الدماغي، والخرف.
من العضيات المختبرية إلى أدمغة الفئران
تُعد أمراض الدماغ من أصعب التحديات الطبية نظراً لتعقيد هذا العضو الذي يضم نحو 86 مليار خلية عصبية، وصعوبة الوصول إلى أنسجة حية. لذلك، يعتمد العلماء منذ سنوات على “العضيات الدماغية”، وهي نُسخ مصغرة تُنمى من الخلايا الجذعية لتشبه تراكيب دماغ الجنين.
رغم فائدة هذه العضيات، فإنها افتقرت إلى البيئة الحية والروابط العصبية المتكاملة. وفي عام 2022، نجح فريق ستانفورد في دمج عضيات قشرية بشرية مع أدمغة فئران حديثة الولادة، لتشكل نحو ثلث قشرة الفأر وتستقبل إشارات حسية، مما مكن الباحثين من دراسة حالات مثل متلازمة تيموثي المرتبطة بالتوحد والصرع.
تعديل وراثي لإفساح المجال للخلايا البشرية
في أحدث الدراسات المنشورة في مجلة “نيتشر”، طوّر الباحثون طريقة لتعطيل تجدد الخلايا العصبية في القشرة المخية والحُصين لدى الفئران (والتي تشكل نحو نصف حجم الدماغ)، مما أتاح مساحة لزرع نحو 4 ملايين عصبون قشري بشري مقابل إزالة نحو 14 مليون عصبون أصلي للفأر.
بعد ثلاثة أشهر، نمت الأنسجة البشرية لتبارك إمدادات الدم وتشغل أكثر من 90% من تجويف القشرة المخية للفأر. وأظهرت الفئران سلوكيات طبيعية في الحركة، مع تسجيل أداء أفضل في اختبارات الذاكرة مقارنة بالفئران التي فقدت أجزاء من أدمغتها دون زرع أنسجة بشرية.
اكتشافات طبية جديدة
أتاحت هذه التقنية مراقبة تطور خلايا نادرة ومهمة، مثل “عصبونات فون إيكونومو”، وهي خلايا طويلة نادرة لا توجد لدى القوارض وتكاد تنعدم في المختبرات، وتلعب دوراً أساسياً في الفص الجبهي والصدغي وتتضرر مبكراً في حالات الخرف الجبهي الصدغي.
كما كشفت التجارب عن إمكانية نمذجة الشلل الدماغي؛ فعند تعريض هذه الفئران لنقص الأكسجين حول الولادة (وهي ظروف لا تؤثر عادة على القوارض الطبيعية)، ظهرت لديها تلفيات في الدماغ وتغيرات في نمط المشي مشابهة لأعراض الشلل الدماغي البشري.
أسئلة أخلاقية تلوح في الأفق
يثير هذا التقدم تساؤلات أخلاقية حول إمكانية تطور وعي أو إحساس لدى هذه الكائنات الهجينة. لتجنب ذلك، أوقف الباحثون التجارب عندما بلغ عمر الخلايا البشرية ست أشهر وقبل ظهور مؤشرات على الوعي.
يشير خبراء الأخلاقيات البيولوجية إلى أن الفئران الحالية لا تثير مخاوف كبرى لكون أدمغتها صغيرة والمسافة التطورية كبيرة، لكنهم يحذرون من تجاوز حدود القوارض مستقبلاً نحو الرئيسيات غير البشرية، مما قد يطمس الحدود الفاصلة بين الإنسان والحيوان ويثير جدلاً واسعاً.
