النقاط الرئيسية
- واشنطن تضغط على كييف للتخلي عن دونباس كمدخل للسلام.
- تحوّل أميركي من الدعم المطلق إلى دور الوسيط الضاغط.
- أوكرانيا ترفض التنازل وتطالب بضمانات أمنية حقيقية.
- روسيا تفاوض بثقة أكبر وتضع الأرض في صلب أي اتفاق.
لم تكن جولة مفاوضات برلين الأخيرة مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل بدت وكأنها لحظة اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين واشنطن وكييف، وحدود الدعم الأميركي في واحدة من أعقد الحروب الجيوسياسية في القرن الحالي.
فمع إعلان انتهاء المحادثات، خرج إلى العلن ما كان يُقال همسًا: الولايات المتحدة تضغط على أوكرانيا للتخلي عن دونباس كمدخل لأي مسار سلام مع موسكو.
هذا التطور، بحد ذاته، يعكس تحوّلًا واضحًا في المزاج الأميركي، ويطرح أسئلة أكبر حول مستقبل الحرب، وشكل التسوية المحتملة، ومن سيدفع ثمنها سياسيًا.
دونباس… من خط أحمر إلى ورقة تفاوض
منذ اندلاع الحرب، شكّلت منطقتا دونيتسك ولوغانسك خطًا أحمر بالنسبة للقيادة الأوكرانية. لكن ما كشفه مسؤول مطّلع على مفاوضات برلين يشير إلى أن هذا الخط بدأ يتآكل، ليس بسبب تغيير الموقف الأوكراني، بل نتيجة ضغط أميركي مباشر.
واشنطن، بحسب ما تسرّب، ترى أن:
- التمسك المطلق باستعادة دونباس قد يُطيل أمد الحرب.
- موسكو لن تدخل مفاوضات جدية دون مكاسب إقليمية واضحة.
- السلام “غير المثالي” قد يكون أقل كلفة من حرب بلا أفق.
في المقابل، عبّر الجانب الأوكراني عن استغرابه من تبنّي الأميركيين موقفًا يقترب من الرؤية الروسية، وهو توصيف يعكس حجم الصدمة داخل كييف.
لماذا تغيّر الموقف الأميركي الآن؟
إن التحوّل الأميركي لا يأتي من فراغ، بل نتيجة عدة عوامل متراكمة
- استنزاف سياسي واقتصادي: الحرب الطويلة باتت عبئًا على الإدارة الأميركية داخليًا وخارجيًا.
- حسابات انتخابية: أي إدارة أميركية تبحث عن “اختراق دبلوماسي” قابل للتسويق.
- توازنات دولية جديدة: واشنطن لم تعد راغبة في فتح جبهات مفتوحة بلا نهاية، خصوصًا مع تصاعد أزمات أخرى عالميًا.
بناءً على ذلك، انتقلت الولايات المتحدة تدريجيًا من دور “الداعم غير المشروط” إلى الوسيط الضاغط.
كييف بين خيارين صعبين
من جهة أخرى، تبدو أوكرانيا في موقف بالغ التعقيد. فهي مطالبة اليوم بالاختيار بين:
- الاستمرار في حرب طويلة مع دعم غربي قد يتراجع تدريجيًا.
- أو الدخول في مسار سلام يتطلب تنازلات إقليمية قد تهدد شرعية القيادة داخليًا.
أما الضمانات الأمنية التي تُطرح كتعويض عن الأرض، فهي مستوحاة من المادة الخامسة لحلف الناتو، ولكن من دون عضوية فعلية، ما يجعلها أقرب إلى التزامات سياسية لا ترقى إلى مظلة ردع حقيقية.
قراءة في الموقف الروسي
بالنسبة لموسكو، تظهر مفاوضات برلين أن:
- الوقت يعمل لصالحها ميدانيًا وسياسيًا.
- الغرب بات أكثر استعدادًا للنقاش حول “الواقع الجديد”.
- دونباس تحولت من ساحة قتال إلى عملة تفاوض مركزية.
وهذا يفسر تشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مسألة الأراضي، باعتبارها جوهر أي اتفاق محتمل.
إلى أين يتجه المسار؟
ما حدث في برلين لا يعني أن أوكرانيا ستتنازل غدًا عن دونباس، لكنه يؤكد أن:
- سقف الدعم الغربي لم يعد ثابتًا.
- التسوية باتت تُناقش بصيغة “الخسائر الأقل”، لا “الانتصار الكامل”.
- دونباس ستكون العقدة الأصعب في أي مفاوضات قادمة.
بعبارة أوضح، السلام أصبح مطروحًا… لكن بثمن سياسي مرتفع، والسؤال لم يعد: هل ستنتهي الحرب؟
بل: كيف، ومتى، وعلى حساب من؟
المصدر: فرانس برس



