أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسم ملامح العلاقة الاقتصادية بين القارة العجوز وبكين، وذلك خلال كلمته في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه نبرة الحمائية التجارية عالمياً، قدم ماكرون رؤية مغايرة تدعو إلى احتضان استثمارات الصين المباشرة، بدلاً من الاكتفاء باستقبال بضائعها، معتبراً أن الانغلاق ليس حلاً للأزمات العالمية الراهنة.
الصين شريك استراتيجي وليست مجرد مصنع
في رسالة واضحة تهدف لكسر الجمود، أكد الرئيس الفرنسي أن بكين “مرحب بها” كشريك اقتصادي فاعل. ومع ذلك، فقد اشترط أن يكون هذا الترحيب ضمن إطار جديد يضمن التوازن.
أشار ماكرون إلى أن أوروبا لم تعد ترغب فقط في أن تكون سوقاً استهلاكية للصادرات الصينية الهائلة، بل هي بحاجة ماسة إلى:
- جذب استثمارات الصين المباشرة داخل الأراضي الأوروبية.
- توطين الصناعات التي تساهم في النمو الحقيقي.
- نقل التكنولوجيا المتقدمة بدلاً من استيراد المنتجات النهائية.
وبحسب رؤيته، فإن هذا التحول من “التدفق التجاري” إلى “الشراكة الاستثمارية” هو المفتاح لحل المعضلة الاقتصادية القائمة.
تشخيص الاختلالات العالمية: المثلث الاقتصادي
لم يكتفِ ماكرون بالدعوة للتعاون، بل قدم تشخيصاً دقيقاً لما وصفه بـ “الاختلالات البنيوية” التي تعصف بالاقتصاد العالمي، موزعاً المسؤوليات على الأقطاب الثلاثة الكبرى:
- الصين: تعاني من فائض في الاستثمار ونقص حاد في الاستهلاك المحلي.
- أوروبا: تواجه ضعفاً في التنافسية ونقصاً في الاستثمارات.
- الولايات المتحدة: تشهد فرطاً في الاستهلاك يعمق الفجوة التجارية.
بناءً على ذلك، يرى الرئيس الفرنسي أن الحل لا يكمن في العقوبات الاقتصادية أو سياسة الإقصاء، بل في معالجة هذه الجذور عبر تعزيز التعاون الاقتصادي الأوروبي مع القوى الصاعدة، بما يضمن تكافؤ الفرص للجميع.
السيادة الأوروبية: نهاية عصر “السذاجة”
انتقل ماكرون في خطابه إلى الجانب الأوروبي الداخلي، داعياً إلى بناء “سيادة اقتصادية” حقيقية. وصرح بوضوح أن أوروبا كانت في الماضي “ساذجة أكثر من اللازم” عندما فتحت أسواقها دون قيد أو شرط، في حين لم تحصل على معاملة مماثلة.
لذلك، شدد على ضرورة استخدام أدوات دفاع تجاري ذكية، مثل “آلية مكافحة الإكراه”، ليس بهدف إشعال حرب تجارية، ولكن لحماية القاعدة الصناعية الأوروبية، خاصة في قطاعات حيوية مثل:
- السيارات الكهربائية.
- الصناعات الكيميائية.
- التقنيات الرقمية المتقدمة.
وأكد أن الهدف ليس استهداف استثمارات الصين أو غيرها، بل منع تدفق المنتجات المدعومة حكومياً والتي لا تلتزم بالمعايير البيئية والعمالية الصارمة التي تفرضها أوروبا.
مستقبل النظام العالمي: التعاون بدلاً من الصراع
في ختام رؤيته، حذر ماكرون من أن العالم يتجه نحو التفكك إذا استمرت الدول في استخدام الرسوم الجمركية كسلاح سياسي. وأوضح أن الحروب التجارية وسباقات “فائض الإنتاج” لن تخلق سوى خاسرين على المدى الطويل.
ومن هذا المنطلق، وبصفة فرنسا رئيسة لمجموعة السبع (G7) هذا العام، تعهد ماكرون بالدفع نحو تشخيص مشترك للمشاكل الاقتصادية، والابتعاد عن إدارة الأزمات بالقطعة. فالمخرج الوحيد، برأيه، هو أن تتحمل كل دولة مسؤوليتها، وأن تظل أوروبا منفتحة على الحوار والشراكة، بشرط أن تكون القواعد واضحة وعادلة للجميع.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)



