في خطوة استراتيجية من شأنها إعادة تشكيل مشهد التكنولوجيا عالمياً، أعلنت شركة أوبن إيه آي (OpenAI)، المطورة لروبوت المحادثة الشهير “شات جي بي تي”، عن إبرام اتفاقية ضخمة وطويلة الأمد مع شركة Cerebras Systems الناشئة والمنافسة القوية في سوق الرقائق الإلكترونية.
تهدف هذه الصفقة، التي وُصفت بأنها نقطة تحول في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى تزويد “أوبن إيه آي” بقدرات حوسبة هائلة تصل إلى 750 ميغاواط، وذلك في إطار زمني يمتد من العام الجاري وحتى عام 2028.
تفاصيل الصفقة المليارية: الأرقام تتحدث
على الرغم من أن الإعلان الرسمي لم يفصح عن القيمة المالية المباشرة، إلا أن مصادر مطلعة وتقارير صحفية موثوقة أكدت أن قيمة الصفقة تتجاوز حاجز الـ 10 مليارات دولار. علاوة على ذلك، تُصنف هذه الشراكة كواحدة من أضخم استثمارات البنية التحتية في تاريخ قطاع الذكاء الاصطناعي الحديث.
تأتي هذه الخطوة لتعالج تحدياً جوهرياً تواجهه نماذج الذكاء الاصطناعي حالياً، ألا وهو “زمن الاستجابة” (Latency). ونتيجة لذلك، يسعى الطرفان من خلال هذا التعاون إلى تسريع عمليات “الاستدلال” (Inference) – وهي العملية التي يقوم فيها الذكاء الاصطناعي بتوليد الإجابات بعد تدريبه – مما يعني استجابة شبه فورية للمستخدمين.
لماذا Cerebras وليست إنفيديا؟
قد يتساءل البعض، لماذا تتجه “أوبن إيه آي” لشركة ناشئة بينما تسيطر “إنفيديا” على السوق؟ الإجابة تكمن في التخصص والسرعة.
بينما تتفوق إنفيديا (Nvidia) بشكل كاسح في مرحلة “تدريب” النماذج، تركز شركة Cerebras بشكل مكثف على مرحلة “تشغيل” هذه النماذج بسرعة فائقة. وتتميز أنظمة Cerebras باعتمادها على تصميم فريد للرقائق يُعرف بـ “Wafer-Scale Engine”، وهي رقاقة عملاقة بحجم طبق الطعام تقريباً، تحتوي على عدد هائل من الترانزستورات يفوق الرقائق التقليدية بمراحل.
وفي هذا السياق، صرح أندرو فيلدمان، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Cerebras، مشبهاً النقلة النوعية التي ستحققها شركته بما أحدثه الانتقال من الإنترنت العادي (Dial-up) إلى الإنترنت فائق السرعة (Broadband). وأضاف أن “الاستدلال الفوري” (Instant Inference) هو المفتاح لتغيير مستقبل تفاعل البشر مع الآلة.
التأثير المباشر على مستخدمي ChatGPT
ماذا تعني هذه الصفقة للمستخدم العادي؟ وفقاً لتدوينة رسمية من الشركة المطورة لـ شات جي بي تي، ستعمل الأنظمة الجديدة على:
- تسريع المعالجة: تقليص الوقت اللازم للإجابة على الأسئلة المعقدة بشكل كبير.
- دعم الميزات المتقدمة: تحسين كفاءة الميزات التي تتطلب وقتاً طويلاً حالياً، مثل التحدث الصوتي المباشر، وتحليل البيانات الضخمة، وتوليد الفيديوهات.
- تجربة مستخدم سلسة: القضاء على فترات الانتظار المزعجة أثناء توليد النصوص.
من جانبه، أوضح ساتشين كاتي من “أوبن إيه آي” أن استراتيجية الشركة تعتمد على المرونة، حيث قال: “Cerebras ستضيف حلاً مخصصاً ومنخفضاً في زمن الاستجابة، مما يمهد لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي الفوري ليصل إلى عدد أكبر من المستخدمين حول العالم”.
سام ألتمان: المستثمر والشريك
من الجدير بالذكر أن العلاقة بين الشركتين ليست وليدة اللحظة؛ فالرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، سام ألتمان، يُعد مستثمراً شخصياً في شركة “Cerebras”. هذا الارتباط الوثيق دفع الشركة في وقت سابق لدراسة خيار الاستحواذ الكامل على Cerebras، قبل أن يستقر القرار على هذه الشراكة الاستراتيجية.
تأتي هذه الصفقة في وقت حساس لشركة Cerebras، التي كانت قد تقدمت بطلب للطرح العام الأولي (IPO) في عام 2024، لكنها أجلت الخطوة عدة مرات. وتشير أحدث التقارير الاقتصادية إلى أن الشركة تجري حالياً محادثات لجمع تمويل جديد بقيمة مليار دولار، مما قد يرفع تقييمها السوقي إلى نحو 22 مليار دولار.
تمثل هذه الشراكة بين العمالقة قفزة نوعية نحو عصر “الذكاء الاصطناعي اللحظي”. فمع توفير قدرات حوسبة بـ 750 ميغاواط، نحن لا نتحدث فقط عن روبوتات دردشة أسرع، بل عن بنية تحتية قادرة على تشغيل تطبيقات ذكاء اصطناعي معقدة في الوقت الفعلي، مما يفتح الباب أمام ابتكارات لم نكن نتخيلها من قبل.



