
يعتقد 38% فقط، في المتوسط، أن بلدانهم تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 62% يرون أنها تتحرك في المسار الخاطئ، وفق أحدث موجة منشورة من استطلاع «ما الذي يقلق العالم؟» الصادر عن مؤسسة Ipsos في يوليو 2026.
وتبدو الفجوة بين الدول كبيرة؛ ففي أحدث ترتيب كامل منشور، سجلت سنغافورة 79% من الآراء الإيجابية، تلتها المجر بـ72% والهند بـ69%. وفي الطرف المقابل، لم تتجاوز النسبة 10% في فرنسا و12% في بيرو و13% في ألمانيا.
لكن هذه النتائج لا تمثل حكمًا موضوعيًا على نجاح كل دولة أو فشلها، بل تقيس شعور المشاركين تجاه الاتجاه العام لبلدانهم في لحظة زمنية محددة. وقد يتأثر هذا الشعور بالاقتصاد والأسعار والأمن والخدمات العامة والتغيرات السياسية، إضافة إلى توقعات السكان مقارنة بما يرونه ممكنًا أو مستحقًا.
بيانات نُشرت حديثًا لكنها تعود إلى فبراير
نُشرت المقالة الإنجليزية التي حملت عنوان «Which Countries Think They’re on the Right Track?» في موقع Visual Capitalist بتاريخ 2 أغسطس 2026. إلا أن الجدول المستخدم فيها مأخوذ من موجة فبراير لاستطلاع Ipsos، التي نُفذت ميدانيًا بين 23 يناير و6 فبراير، وشملت 25,709 مشاركين في 30 دولة.
في تلك الموجة، بلغ متوسط الاتجاه الصحيح 41%، وتصدرت سنغافورة بنسبة 86%، ثم ماليزيا بـ74% والهند بـ69%. وحلت فرنسا أخيرة عند 10%، بعد بيرو عند 15% وبريطانيا العظمى عند 21%.
كانت هذه الأرقام صحيحة بالنسبة إلى فترة تنفيذ الاستطلاع، لكنها لم تعد تمثل أحدث قراءة متاحة بحلول أغسطس. فقد أصدرت Ipsos بعد ذلك عدة موجات شهرية، تضمنت تحركات كبيرة في بعض الدول، بينما انخفض المتوسط العام إلى 38%.
أحدث ترتيب شامل للدول
يستند الجدول التالي إلى موجة يونيو 2026، وهي أحدث وثيقة عامة عثرنا عليها تتضمن مقارنة مكتملة للدول الثلاثين. أُجري العمل الميداني لهذه الموجة بين 22 مايو و5 يونيو، وشمل 22,032 مشاركًا.
تعكس هذه النتائج ترتيب يونيو فقط. وقد نشرت Ipsos تحديث يوليو لاحقًا، لكنه لم يتضمن في تقريره العام جدولًا كاملًا للدول الثلاثين، بل ركز على المتوسط العالمي وبعض التحركات البارزة.
كيف تغير المزاج العالمي بين فبراير ويوليو؟
تكشف مقارنة الموجات أن ترتيب الدول ليس ثابتًا، وأن المشاعر العامة قد تتحرك بسرعة خلال بضعة أشهر.
أبرز التغيرات كان صعود المجر من 23% في فبراير إلى 72% في يونيو، في حين تراجعت الولايات المتحدة من 40% إلى 28%، وانخفضت ألمانيا عشر نقاط لتصل إلى 13%.
ولا تقدم Ipsos في جدول الاتجاه العام تفسيرًا سببيًا لكل حركة. لذلك لا يمكن نسب ارتفاع أو انخفاض أي دولة تلقائيًا إلى سياسة واحدة أو حدث منفرد، خصوصًا مع أحجام العينات التي تراوح عادة بين نحو 500 وألف مشارك في الدولة.
تراجع التفاؤل العالمي إلى 38%
في موجة يوليو، بقي متوسط الدول التي ترى أنها تسير في الاتجاه الصحيح عند 38%، أي أقل بثلاث نقاط من قراءة يناير وفبراير البالغة 41%.
شملت الموجة الأحدث 25,540 بالغًا، ونُفذت بين 19 يونيو و3 يوليو، قبل نشر التقرير في 30 يوليو. وهذا التمييز مهم، لأن نتائج الاستطلاع تعكس آراء المشاركين خلال فترة العمل الميداني، ولا تشمل بالضرورة الأحداث التي وقعت بعد 3 يوليو.
قفزة مؤقتة في بيرو
سجلت بيرو أحد أكبر التحولات في يوليو، إذ ارتفعت نسبة من يرون أن البلاد تتحرك في الاتجاه الصحيح من 12% في يونيو إلى 26% في يوليو.
ربط تحليل Ipsos الارتفاع بتجدد التوقعات بعد انتقال سياسي وانتخابات رئاسية، لكنه حذر من تفسيره باعتباره دليلًا على حل مشكلات البلاد. فما زال 74% من المشاركين يرون أن بيرو تسير في المسار الخاطئ، بينما بقيت الجريمة والفساد وعدم المساواة والبطالة ضمن أبرز المخاوف.
يعرض هذا المثال مدى تأثر السؤال بالتوقعات. فقد تتحسن الإجابة مباشرة بعد انتخاب حكومة أو تغيير قيادة، قبل ظهور نتائج اقتصادية أو اجتماعية ملموسة.
هبوط جديد في بريطانيا
في بريطانيا العظمى، انخفضت نسبة الاتجاه الصحيح من 22% في يونيو إلى 19% في يوليو، مقتربة من أدنى مستوى لها خلال أربع سنوات.
وأظهر تقرير يونيو أن الرعاية الصحية وضبط الهجرة كانا أكبر مصدرين للقلق لدى البريطانيين بنسبة 34% لكل منهما، وجاء التضخم بعدهما عند 33%. ويشير التقرير إلى أن بيانات بريطانيا العظمى لا تشمل أيرلندا الشمالية.
هل ما زالت آسيا المنطقة الأكثر تفاؤلًا؟
لا تزال عدة اقتصادات آسيوية في مقدمة الترتيب، لكن الصورة الأحدث أقل بساطة من تلك التي عرضتها بيانات فبراير.
في يونيو، جاءت سنغافورة أولًا والهند ثالثًا وماليزيا رابعة وكوريا الجنوبية خامسة. أما تايلاند فسجلت انقسامًا متساويًا عند 50%، بينما انخفضت إندونيسيا إلى 44%.
وفي المقابل، دخلت المجر الأوروبية إلى المركز الثاني، ما يعني أن وصف النتائج بأنها انقسام مباشر بين «آسيا المتفائلة» و«الغرب المتشائم» يتجاهل التغيرات الكبيرة بين الموجات والاستثناءات داخل كل منطقة.
قد يساعد الأداء الاقتصادي في تفسير جزء من النتائج. فقد توقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الهندي بنحو 7% خلال 2026 وفق حساب السنة الميلادية، بينما توقّع بنك التنمية الآسيوي نمو الاقتصادات النامية في آسيا والمحيط الهادئ بنحو 4.9%.
لكن النمو الاقتصادي لا يقدم تفسيرًا كاملًا. فاليابان، وهي من أكبر الاقتصادات الآسيوية، سجلت 38% فقط، في حين تصدرت المجر الترتيب رغم اختلاف أوضاعها الاقتصادية عن سنغافورة والهند.
لماذا تحتل دول أوروبية المراكز الأخيرة؟
جاءت فرنسا وألمانيا وهولندا وبريطانيا العظمى ضمن آخر خمس دول في ترتيب يونيو.
في فرنسا، قال 10% فقط إن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 90% اختاروا المسار الخاطئ. كما أظهر تقرير يونيو أن 8% فقط وصفوا الوضع الاقتصادي الفرنسي بأنه جيد، قبل أن ترتفع النسبة بصورة محدودة إلى 9% في تقرير يوليو.
أما ألمانيا، فسجلت 13% في الاتجاه الصحيح و87% في الاتجاه الخاطئ. وكانت عدم المساواة الاجتماعية والفقر أكبر مصادر القلق لدى المشاركين الألمان بنسبة 37%، تلتها الهجرة بـ31% والتضخم بـ30%.
لا يعني ذلك أن ظروف الحياة في هذه الدول هي الأسوأ عالميًا. فالنتيجة تقيس الفجوة بين الواقع وتوقعات السكان، وقد يكون المواطن في دولة غنية أكثر انتقادًا عندما تتراجع الخدمات أو القوة الشرائية أو الاستقرار مقارنة بما اعتاد عليه. كما تتأثر الإجابات بدرجة الثقة في المؤسسات والأحزاب والقدرة على معالجة المشكلات، وليس بمستوى الدخل وحده.
ماذا تقول النتائج عن تركيا؟
جاءت تركيا في المركز 22 من أصل 30 دولة في ترتيب يونيو، إذ رأى 27% من المشاركين أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، بينما اختار 73% المسار الخاطئ.
تعد هذه النسبة قريبة من قراءة فبراير البالغة 28%، أي إن الفرق نقطة واحدة فقط ولا يمثل تحولًا كبيرًا بالنظر إلى هامش دقة الاستطلاع.
كان التضخم أكبر مصدر للقلق في تركيا؛ فقد ذكره 52% من المشاركين في يونيو، ثم انخفضت النسبة بصورة طفيفة إلى 50% في يوليو، مع بقائه القضية الأكثر ذكرًا في البلاد.
ويجب الانتباه إلى أن عينة تركيا تبلغ نحو 500 مشارك شهريًا، وأن Ipsos تصفها بأنها أكثر حضرية وتعليمًا وثراءً من السكان عمومًا. لذلك تعكس النتائج بدرجة أكبر آراء الفئة المتصلة بالإنترنت، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تعدادًا دقيقًا لجميع سكان تركيا.
كيف يجب قراءة استطلاع «الاتجاه الصحيح»؟
المتوسط العالمي ليس تصويتًا لجميع سكان العالم
تسمي Ipsos الرقم الإجمالي «متوسط الدول العالمي». وهو متوسط حسابي لنتائج الدول الثلاثين المشاركة، ولا يتم تعديل وزن كل دولة وفق عدد سكانها.
وبذلك تحصل سنغافورة، التي يبلغ عدد سكانها بضعة ملايين، على الوزن نفسه الذي تحصل عليه الهند أو الولايات المتحدة عند حساب المتوسط. ولهذا لا يصح وصف رقم 38% بأنه نسبة جميع سكان العالم الذين يعتقدون أن العالم يسير في الاتجاه الصحيح.
بعض العينات لا تمثل جميع السكان بالدرجة نفسها
تعتبر Ipsos العينات في دول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة ممثلة عمومًا للسكان البالغين دون 75 عامًا.
أما في دول من بينها تركيا والهند وإندونيسيا وماليزيا وبيرو وسنغافورة وجنوب أفريقيا وتايلاند، فالعينات أكثر اتصالًا بالإنترنت، وحضرية وتعليمًا أو دخلًا من السكان عمومًا.
هامش التغير الشهري مهم
توضح Ipsos أن العينة التي تضم ألف مشارك ترتبط بفاصل مصداقية يقارب ±3.5 نقاط مئوية، بينما يرتفع إلى نحو ±5 نقاط عندما يكون عدد المشاركين 500.
لذلك لا ينبغي بناء استنتاج كبير على تحرك محدود من نقطة أو نقطتين. أما التحركات الكبيرة، مثل ارتفاع بيرو 14 نقطة في شهر أو صعود المجر عشرات النقاط بين فبراير ويونيو، فتستحق المتابعة عبر أكثر من موجة للتأكد من استمرارها.
زاوية ميتالسي
تشير أحدث البيانات إلى أن المزاج العالمي خلال 2026 ليس متشائمًا بصورة متساوية، لكنه هش وسريع التأثر بالأحداث. فالانخفاض من 41% إلى 38% لا يبدو ضخمًا بمفرده، إلا أنه يعني أن أغلبية واضحة في معظم الدول المشاركة لا تشعر بأن المسار الحالي يلبي توقعاتها.
ونرى أن التركيز على الترتيب وحده قد يكون مضللًا. فسنغافورة والهند وماليزيا تجمع بين معدلات نمو أو استقرار اقتصادي نسبي وتوقعات مستقبلية إيجابية، لكن وجود المجر في المركز الثاني وتراجع إندونيسيا وتايلاند يوضح أن الاقتصاد ليس العامل الوحيد.
تؤثر التحولات السياسية أيضًا في المزاج، لكنها قد تمنح الحكومات «رصيد توقعات» مؤقتًا بدل أن تعكس تحسنًا فعليًا. حالة بيرو مثال واضح: تضاعفت نسبة التفاؤل تقريبًا بعد الانتقال السياسي، مع بقاء ثلاثة أرباع المشاركين تقريبًا مقتنعين بأن البلاد على المسار الخاطئ.
أما في أوروبا، فقد تكون المشكلة مرتبطة بما يمكن تسميته فجوة التوقعات. المواطن لا يقارن بلاده دائمًا بالدول الأفقر أو الأقل استقرارًا، بل يقارن الخدمات والدخل والأمان بالحالة السابقة وبالوعود السياسية. ولذلك تستطيع دول مرتفعة الدخل تسجيل مستويات تشاؤم حادة عندما يشعر السكان بتراجع مستوى معيشتهم أو ضعف قدرة المؤسسات على الاستجابة.
من المرجح أن تتغير الخريطة مرة أخرى خلال الأشهر المقبلة. انخفاض التضخم أو تحسن فرص العمل والخدمات قد يرفع المؤشر سريعًا، بينما يمكن لارتفاع تكاليف الطاقة أو تجدد الاضطرابات السياسية والأمنية أن يدفعه إلى الأسفل.
المستفيد الأكبر سيكون الحكومات التي تستطيع تحويل الوعود إلى نتائج محسوسة وقابلة للقياس، خصوصًا في الأسعار والوظائف والصحة والأمن. أما الحكومات التي تعتمد على الخطاب وحده، فقد تجد أن التفاؤل الذي يظهر بعد الانتخابات أو التغييرات السياسية يتراجع بمجرد انتهاء فترة الانتظار.
هذا استنتاج تحليلي يستند إلى حركة المؤشر بين موجات Ipsos، وليس توقعًا مؤكدًا لمسار دولة بعينها.
الخلاصة
تظل سنغافورة والهند وماليزيا ضمن أكثر الدول ثقة باتجاهها خلال 2026، لكن أحدث ترتيب يضع المجر بين المتصدرين ويكشف تراجعًا في عدة دول كانت أكثر تفاؤلًا في بداية العام.
في المقابل، تستمر فرنسا وألمانيا وبريطانيا ضمن المراكز الأخيرة، بينما بقيت تركيا عند مستوى منخفض نسبيًا مع اعتبار التضخم القضية الأكثر إلحاحًا لدى المشاركين.
والنتيجة الأهم ليست اسم الدولة الأولى أو الأخيرة فقط، بل أن الشعور بالاتجاه الوطني يتغير أسرع من كثير من المؤشرات الاقتصادية. فهو مزيج من الواقع والتوقعات والثقة السياسية والتجربة اليومية، ويجب قراءته بوصفه مقياسًا للمزاج العام، لا تصنيفًا نهائيًا لجودة الدول أو نجاحها.
المصادر
- Ipsos – What Worries the World، فبراير 2026: بيانات الموجة التي استند إليها المقال الإنجليزي، وحجم العينة وفترة العمل الميداني.
- Ipsos – What Worries the World، يونيو 2026: المتوسط العالمي، وأبرز المخاوف، والنتائج الخاصة ببريطانيا.
- Ipsos – Germany Report، يونيو 2026: الترتيب الكامل للدول الثلاثين ومقارنة الاتجاه الصحيح بالمسار الخاطئ.
- Ipsos – What Worries the World، يوليو 2026: أحدث متوسط عالمي، وتحديثات بيرو وبريطانيا، ومنهجية الاستطلاع.
- Visual Capitalist: المقال الإنجليزي المنشور في 2 أغسطس 2026، للكاتب Gabriel Cohen وتصميم Clayton Wadsworth.
- صندوق النقد الدولي – تحديث آفاق الاقتصاد العالمي، يوليو 2026: توقعات النمو العالمي والهندي.
- بنك التنمية الآسيوي – Asian Development Outlook، يوليو 2026: توقعات النمو في آسيا والمحيط الهادئ وماليزيا.
- النص الإنجليزي المرفق من المستخدم: المادة المرجعية الأولية والجدول المعتمد على بيانات فبراير.