كثيراً ما نسمع عبارات مكررة مثل “البيت بيتك”، و”أمرك نافذ”، و”أبشر”، لكننا نكتشف عند المواقف العملية أن المسافة بين ما يُقال وما يُفعل أكبر بكثير. فهل المطلوب أن نتوقف عن لطف الكلام؟ الإجابة تكمن في الفرق بين المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة.
الفرق بين المداراة والمداهنة
المجاملة في أصلها ليست مذمومة؛ فلقاء الناس بوجه طلق واختيار أطيب الكلام هو من حسن الخلق، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، واعتبر النبي ﷺ “الكلمة الطيبة صدقة”.
- المداراة: أن تلين في كلامك وتحسن معاملة الآخرين اتقاء للشر أو تأليفا للقلوب، دون كذب أو تنازل عن حق.
- المداهنة: أن يكون هذا اللين على حساب الحقيقة، أو يتحول إلى تملق ووعد لا يراد الوفاء به.
وقد ظهر هذا الفرق بوضوح في السيرة النبوية، حين استأذن رجل فقال النبي ﷺ: “بئس أخو العشيرة”، فلما دخل ألان له القول وتبسط معه. وموضحةً تعجب السيدة عائشة رضي الله عنها، بيّن النبي ﷺ أن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه. إذن، ليس كل لين كذباً، والمذموم حقاً هو تناقض الكلام بين الحضور والغياب.
أمثال يومية للمجاملة الزائفة
تظهر المجاملة الزائفة في مواقف متكررة بحياتنا اليومية، ومن أبرزها:
- دعوة بلا رغبة: أن ترى شخصاً أمام بيتك وتقول له: “تفضل، والله لا أتركك تذهب”، بينما تتمنى داخلياً ألا يقبل الدعوة. كان الأنسب والأصدق أن تقول مبتسماً: “سررت برؤيتك، وأنا مضطر للخروج الآن، ونلتقي قريبا إن شاء الله”.
- وعود المساعدة الفارغة: أن تطلب مساعدة من شخص في ضائقة مالية فيقول لك: “أبشر، اعتبر الأمر منتهيا”، ثم تختفي الأعذار أو يختفي الشخص تماماً وقت الحاجة.
- المبالغة الوظيفية: أن يقول لك زميل عمل يملك القرار: “أنت أستاذي وأمرك نافذ”، فإذا طلبت منه أمراً يسيراً ضمن صلاحياته اعتذر. العبارات الأقل حرارة والأكثر صدقاً مثل “سأفعل ما أستطيع” تكون أثمن بكثير.
- الموافقة الدائمة: أن توافق الآخرين على أخطائهم لأن “معك حق” أسهل من النقاش، وهي عادة بشرية تشبه حتى استجابة بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التي توافق المستخدم بغض النظر عن صحة الفكرة. الصديق الذي يخالفك الرأي بمحبة غالباً ما يكون أصدق ممن يوافقك دائماً.
أليست المحبة أولى بالصدق؟
قد نفهم مداراة من نخشى أذاه، لكن لماذا نتكلف في التعامل مع الأقارب والأصدقاء؟ الصداقة الحقيقية تستوجب الصدق الجميل، لا القسوة المؤذية. بدلاً من إعطاء وعود كاذبة بكلمة “أبشر”، قل بصراحة: “سأحاول ولا أستطيع الوقطع”. وبدلاً من قبول دعوة لا ترغب بها، اعتذر بلطف.
أرصدة الكلمات في قلوب الناس
للكلمات أرصدة في قلوب البشر، ونحن بكثرة استعمالها في غير موضعها نستنزف قيمتها ونفقد الثقة فيها. إن المطلوب ليس التوقف عن المجاملة، بل إعادتها إلى معناها الجميل؛ فأن نكون بشوشين ونقول الحقيقة بطريقة لطيفة يجعل كلمة صادقة واحدة يصدقها الموقف أثمن من عشرات العبارات المزيفة.



