إعلان

لغة استقلال الهند في خضم الصراعات

منذ القدم، شكّلت اللغات في شبه القارة الهندية مسرحًا لحروب ثقافية وسياسية معقّدة. وفي قلب هذه الصراعات تبرز لغة استقلال الهند، وهي اللغة الأردية، التي تعرّضت لموجات من الهجوم والتهميش. شهدنا كيف انفصلت بنغلاديش عن باكستان بدعم هندي بعد حرب دموية لاستعادة مكانة اللغة البنغالية. كما أدّى الاعتراف باللغة السنهالية دون غيرها في سريلانكا إلى تفجير حرب أهلية استمرت سنوات. واليوم، تُواجَه الأردية في الولايات الهندية بحملة تستهدف وجودها، لا سيما من القوميين الهندوسيين.

لمحة عن حرب اللغات في شبه القارة

عبر التاريخ، تعرّضت بعض اللغات في جنوب آسيا إلى محاولات الإقصاء. ففي الهند تحديدًا، تتهم الولايات الجنوبية الحكومات المتعاقبة بفرض اللغة الهندية على عموم البلاد، ممّا يهدّد باختفاء اللغات المحلية هناك. في خضمّ هذا المشهد، تأتي اللغة الأردية على رأس المستهدفين، خصوصًا مع ارتباطها بالثقافة الإسلامية وبالتأثير الفارسي والعربي.

أحدثُ هذه الهجمات تمثّل في تصريحات رئيس وزراء ولاية أوتار براديش، الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث، الذي اعتبر تدريس اللغة الأردية وسيلة لجعل الطلاب المسلمين متعصّبين دينيًّا بدلًا من أن يكونوا علماء في العلوم التطبيقية. وتزداد حدّة الانتقاد عندما يطالب بعض المشرّعين بإتاحة إجراءات الجمعيات التشريعية باللغة الأردية، فيأتيهم الرفض تحت ذريعة أنها ليست “لغة محلية”.

لماذا تستهدف اللغة الأردية؟

بحسب الدكتور محمد نعيم الرحمن، نائب رئيس أكاديمية اللغة الأردية التابعة لحكومة ولاية تاميل نادو، يرى القوميون الهندوسيون في الأردية لغةً خاصة بالمسلمين، رغم أنها كانت – ولعدّة قرون – لغةً أمًّا وثقافةً لكثير من الهندوس والسيخ والجينيين والسنديّين. وقد ساهم أبناء هذه الديانات في إثراء الأردية وتأليف العديد من الكتب الدينية والأدبية بها.

من جهته، أدان أسد الدين عويسي، البرلماني وزعيم حزب مجلس اتحاد المسلمين لعموم الهند، تصريحات أديتياناث، وأكّد أن لغة استقلال الهند (الأردية) لعبت دورًا محوريًّا في تاريخ البلاد، وساهمت في مقاومة الاستعمار. كذلك، أكّد طلاب جامعة مولانا آزاد الوطنية للغة الأردية أن الهجمات على الأردية ليست هجومًا على لغة فحسب، بل تستهدف الإرث الفكري والثقافي والسياسي للمسلمين في الهند.

إعلان
لماذا تستهدف اللغة الأردية؟

جذور وتطوّر لغة استقلال الهند

تعود جذور اللغة الأردية إلى القرن الثاني عشر، حين حاولت جيوش السلاطين المسلمين التواصل مع السكان المحليين باستخدام مفردات فارسية وعربية امتزجت بأساليب النطق السنسكريتية الشائعة آنذاك. عُرفت الأردية قديمًا باسم “الهندوستانية”، فكانت مزيجًا من ثقافات متعددة. هذا المزيج هو ما جعل لغة استقلال الهند تتطوّر باستمرار، ويمكّنها من استيعاب الأدبيات والشِعر والنصوص الدينية المختلفة.

يشير الدكتور نعيم الرحمن إلى أن المكتبة الأردية تضمّ أعمالًا مهمة مثل “بانجاتانترا” (المعروف عربيًّا باسم كليلة ودمنة)، وكذلك ترجمات للكتب الهندوسية المقدّسة مثل الماهابهارتا، فضلًا عن ترجمات للإنجيل والكتب الإسلامية.

كما أثرى آلاف الشعراء هذه اللغة، بدءًا من أمير خسرو ذي الأصل التركي، الذي كان متصوفًا من الطريقة الجشتية في القرن الثالث عشر، وصولًا إلى العلامة محمد إقبال، وما زالت الحركة الشعرية تزدهر حتى اليوم.

العلاقة مع اللغة الهندية

مع تصاعد التوتّرات السياسية بين الهندوس والمسلمين في عهد الاستعمار البريطاني، استخدم بعض الهندوس الحروف الديفاناغارية بديلًا عن الحروف الفارسية في كتابة الأردية، واستبدلوا المفردات ذات الجذور الفارسية والعربية بأخرى سنسكريتية. هكذا نشأت اللغة الهندية بوصفها لسانًا مستقلًّا عن الأردية رغم تشابههما في الكثير من البنى النحوية.

عقب استقلال الهند وباكستان، اعترفت باكستان بالأردية لغةً رسمية إلى جانب الإنجليزية، بينما اعتمدت الهند اللغة الهندية بجانب الإنجليزية، مع إدراج الأردية ضمن اللغات المعترف بها رسميًّا. إلّا أنّ الواقع أظهر أن وضع الأردية ظلّ هشًّا في الولايات التي يسيطر عليها الحزب القومي الهندوسي بهاراتيا جاناتا.

دور لغة استقلال الهند في الأفلام والهوية الثقافية

رغم تصنيف أفلام بوليوود في خانة الأفلام الهندية، فإن الحوارات والأغاني تُكتَب – في جزء كبير منها – باللغة الأردية حتى يومنا هذا، مع استخدام مفردات ذات جذور فارسية وعربية. هذا المزج الفني يعكس ارتباطًا عميقًا بين الأدب الشعبي الهندي والأردية، ويعزّز مكانة لغة استقلال الهند في الذاكرة الجماعية للشعب الهندي.

دور لغة استقلال الهند في الأفلام والهوية الثقافية

تحدّيات الحاضر وأمل المستقبل

مؤخرًا، أثار قرار حكومة ولاية راجستان بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا تبديل تدريس اللغة الأردية باللغة السنسكريتية جدلًا واسعًا. بالنسبة للخبير الأردي نعيم الرحمن، فهذه إشارة جديدة على التعامل مع الأردية كلغة من الدرجة الثانية. وبرأيه، تحظى كل ولاية في الهند بلغة محلية مهيمنة تتبنّاها الحكومات وتدعمها، في حين أنّ الأردية لا تلقى الدعم الكافي كونها لغة أقلية في كافة الولايات.

رغم ذلك، يبقى هناك بصيص أمل. فالأردية نجحت عبر التاريخ في الربط بين مجتمعات متعددة الأديان والثقافات، وهي قادرة اليوم على أن تكون جسرًا للتفاهم والتعايش. وكما يؤكّد نعيم الرحمن، يمكن للغة استقلال الهند أن تستعيد مكانتها عاملًا للوحدة الوطنية، تمامًا كما كانت في الماضي.

المصدر: www.aljazeera.net.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
تعليقات داخلية
عرض كل التعليقات
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version