لم تستمر نشوة إدراج سبيس إكس SpaceX في البورصة طويلًا. فبعد أسابيع قليلة من قفزة تاريخية دفعت قيمة الشركة إلى قرابة 3 تريليونات دولار وجعلت إيلون ماسك أول تريليونير في العالم، انعكس الاتجاه بصورة حادة، وفقد السهم نحو نصف قيمته مقارنة بأعلى مستوى سجله بعد الاكتتاب.
هذا الانهيار السريع انعكس مباشرة على ثروة ماسك، التي هبطت خلال تعاملات الاثنين 27 يوليو 2026 إلى نحو 695.7 مليار دولار، وفق تقديرات Forbes، لتعود إلى ما دون حاجز 700 مليار دولار للمرة الأولى منذ ديسمبر الماضي.
لكن القصة لا تتعلق بثروة ماسك وحدها. فما يحدث في سهم SpaceX أصبح اختبارًا مهمًا لقدرة السوق على تبرير أحد أضخم التقييمات في تاريخ الشركات الأميركية، في وقت تنفق فيه الشركة مليارات الدولارات على Starship والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الفضائية.
ماذا حدث لسهم سبيس إكس؟
دخلت SpaceX سوق الأسهم رسميًا في 12 يونيو 2026 تحت الرمز SPCX، بعد تسعير الاكتتاب العام عند 135 دولارًا للسهم.
وطرحت الشركة في البداية نحو 555.6 مليون سهم، قبل ممارسة شركات الاكتتاب خيار شراء أسهم إضافية، لترتفع حصيلة الطرح الإجمالية إلى نحو 85.7 مليار دولار.
وكان استقبال المستثمرين للسهم استثنائيًا.
فخلال الأيام الأولى من التداول، اندفعت عمليات الشراء بقوة وارتفع السهم إلى مستويات تجاوزت 200 دولار، قبل أن يسجل في 16 يونيو قمة بلغت نحو 225.64 دولارًا.
عند ذلك المستوى، اقتربت القيمة السوقية لـSpaceX من 3 تريليونات دولار، لتدخل الشركة خلال أيام فقط في نادي أكبر الشركات المدرجة في العالم.
إلا أن الحماس بدأ يتراجع سريعًا.
وبحلول تعاملات الاثنين 27 يوليو، انخفض سهم SpaceX بنحو 4.8% إلى قرابة 109.5 دولار، ما يعني أنه أصبح أقل بنحو 50% من أعلى مستوى سجله في يونيو.
واستمر الضغط على السهم في تعاملات 28 يوليو، ليتداول قرب 108 دولارات في بعض الفترات، ما أبقى قيمته السوقية قرب 1.5 تريليون دولار، أي أن نحو 1.4 إلى 1.5 تريليون دولار من القيمة السوقية اختفت مقارنة بذروة يونيو.
هل فقدت سبيس إكس نصف قيمتها فعلًا؟
هنا يجب التفريق بين أمرين.
القول إن سهم SpaceX «خسر نصف قيمته» صحيح إذا كانت المقارنة مع أعلى مستوى سجله بعد الاكتتاب.
فالسهم ارتفع من سعر اكتتاب قدره 135 دولارًا إلى 225.64 دولارًا، ثم تراجع إلى نحو 109 دولارات.
لكن مقارنةً بسعر الاكتتاب نفسه، فإن الخسارة أقل كثيرًا.
فعند سعر 109.5 دولار، يكون السهم منخفضًا بنحو 19% فقط عن سعر الاكتتاب البالغ 135 دولارًا.
لذلك فإن الوصف الأدق لما حدث هو:
سهم SpaceX خسر نحو نصف قيمته مقارنة بقمة ما بعد الاكتتاب، وليس نصف قيمته منذ الإدراج.
وهذه نقطة مهمة، لأن جزءًا كبيرًا من «الخسارة» الحالية هو في الحقيقة تبخر لمكاسب مضاربية ضخمة تحققت خلال الأيام الأولى من التداول.
كيف خسرت ثروة إيلون ماسك مئات المليارات؟
السبب بسيط: جزء هائل من ثروة إيلون ماسك أصبح مرتبطًا مباشرة بسعر سهم SpaceX.
وبحسب Forbes، يمتلك ماسك نحو 4.8 مليار سهم في SpaceX، بالإضافة إلى حوالي 350 مليون خيار أسهم.
لذلك فإن تحرك السهم عدة دولارات فقط يمكن أن يضيف أو يحذف عشرات المليارات من صافي ثروته النظرية.
وخلال تراجع الاثنين وحده، قدرت Forbes انخفاض ثروة ماسك بنحو 29.5 مليار دولار، لتصل إلى حوالي:
695.7 مليار دولار.
ورغم هذا الانخفاض الضخم، بقي ماسك أغنى شخص في العالم بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
وقدرت Forbes في ذلك الوقت ثروة لاري بيدج، أحد مؤسسي غوغل، بنحو 268.5 مليار دولار، مقابل 247.1 مليار دولار لسيرغي برين.
من 1.45 تريليون إلى أقل من 700 مليار دولار
حجم التراجع يبدو أكثر إثارة عند مقارنته بذروة ثروة ماسك.
فبعد الارتفاع الجنوني لسهم SpaceX عقب الإدراج، قدرت Forbes ثروة ماسك في 16 يونيو بنحو:
1.45 تريليون دولار.
أي أن ثروته انخفضت منذ ذلك الوقت بنحو 750 مليار دولار على الورق خلال فترة قصيرة للغاية.
وهذا يعني أن ماسك خسر في أسابيع قيمة تعادل تقريبًا ثروة عدد من أكبر مليارديرات العالم مجتمعين.
وكان ماسك قد أشار ساخرًا إلى هذا التراجع عبر منصة X عندما وصف نفسه بأنه «تريليونير سابق».
لكن من المهم الإشارة إلى أن مبلغ 750 مليار دولار لا يمثل أموالًا نقدية خرجت من حساب ماسك.
ثروات المليارديرات تُحسب أساسًا اعتمادًا على القيمة السوقية للأسهم والأصول التي يمتلكونها، ولذلك يمكن أن ترتفع أو تنخفض بمئات المليارات من الدولارات دون حدوث عملية بيع فعلية.
كما أن انخفاض ثروة ماسك لم يكن كله بسبب SpaceX.
فوفق Forbes، نحو 116 مليار دولار من التراجع جاء نتيجة تغيير طريقة احتساب بعض خيارات أسهم Tesla بعد تعديل شروط استحقاقها.
لماذا يبيع المستثمرون سهم SpaceX؟
المثير للاهتمام أن موجة البيع لم تأتِ بسبب انهيار مفاجئ في أعمال SpaceX.
بل تبدو أقرب إلى إعادة تقييم للسعر الضخم الذي وصل إليه السهم عقب الاكتتاب.
عندما قاربت القيمة السوقية للشركة 3 تريليونات دولار، أصبح المستثمرون يدفعون تقييمًا يضع SpaceX في مستوى قريب من أكبر عمالقة التكنولوجيا في العالم.
وبالتالي أصبح السؤال مختلفًا.
لم يعد السؤال:
هل SpaceX شركة ناجحة؟
بل أصبح:
هل نجاح SpaceX الحالي والمستقبلي يبرر تقييمًا بتريليونات الدولارات؟
وهنا بدأت المخاوف تظهر حول حجم الإنفاق المطلوب لتطوير Starship، وتوسيع Starlink، وتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية المستقبلية.
نجاح Starship لم يوقف الهبوط
كان من المفترض نظريًا أن يحصل السهم على دفعة إيجابية بعد أحدث اختبار لـStarship.
ففي 24 يوليو 2026 أطلقت SpaceX الرحلة التجريبية الثالثة عشرة للنظام الصاروخي من Starbase في تكساس.
ونجحت المركبة في الوصول إلى الفضاء وتنفيذ عدد من الأهداف المهمة، من بينها نشر أقمار Starlink V3 واختبار إعادة تشغيل محرك في الفضاء، إلى جانب تحقيق أهداف تقنية مرتبطة بالمرحلة العليا.
ومع ذلك، لم يمنع النجاح سهم SpaceX من مواصلة التراجع.
وواجه معزز Super Heavy بعض المشكلات خلال المرحلة النهائية من الاختبار، ولم ينجح في تنفيذ الهبوط المائي الناعم المخطط له، لكن المحللين اعتبروا الرحلة تقدمًا مهمًا بالنسبة للبرنامج.
وهذه الاستجابة الضعيفة للسهم تحمل دلالة مهمة:
السوق لم يعد مستعدًا لمكافأة SpaceX على الإنجازات التقنية وحدها.
المستثمرون يريدون الآن معرفة تكلفة هذه الإنجازات، ومتى ستتحول إلى تدفقات نقدية وأرباح تبرر تقييم الشركة.
لماذا أصبح سعر 100 دولار مهمًا؟
أصبح مستوى 100 دولار للسهم محورًا رئيسيًا في تحليلات وول ستريت.
ويرى آدم جوناس، محلل Morgan Stanley، أن هبوط SpaceX إلى نحو 100 دولار قد يعني وفق نموذج البنك أن المستثمرين أصبحوا يمنحون قيمة صفرية تقريبًا لأعمال الذكاء الاصطناعي التابعة للمجموعة.
وتمثل هذه النقطة تحولًا كبيرًا في المزاج الاستثماري.
فبعد دمج أعمال الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة SpaceX، أصبح جزء معتبر من التقييم المستقبلي للشركة قائمًا على توقعات مرتبطة بـGrok والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وغيرها من الأنشطة.
لكن هذه المشروعات تحتاج في الوقت نفسه إلى إنفاق رأسمالي هائل، بينما لا تزال جدواها الاقتصادية طويلة الأجل غير واضحة.
وأشار Morgan Stanley إلى أن بعض المستثمرين أصبحوا يمنحون هذه الأنشطة قيمة صفرية أو حتى سلبية بسبب ارتفاع الإنفاق وعدم وضوح الأرباح المستقبلية.
ومع ذلك، لا يزال البنك متفائلًا نسبيًا تجاه الشركة، ويضع سعرًا مستهدفًا يبلغ 300 دولار لسهم SpaceX، مع تخصيص أكثر من نصف هذا التقييم لأعمال الذكاء الاصطناعي.
أي أن الخلاف الحقيقي في السوق حاليًا ليس حول قدرة SpaceX التقنية فقط، بل حول كم تساوي أعمالها المستقبلية فعليًا؟
هل انهيار السهم يعني أن SpaceX في أزمة؟
ليس بالضرورة.
هناك فرق كبير بين أزمة تشغيلية داخل الشركة وبين انهيار تقييم سهمها.
SpaceX ما تزال واحدة من أهم شركات الإطلاق الفضائي في العالم، كما تمتلك Starlink قاعدة ضخمة في قطاع الإنترنت الفضائي، وتواصل تطوير Starship الذي تراهن عليه الشركة في مشروعات القمر والمريخ وإطلاق الأقمار الصناعية.
لكن الشركة أصبحت الآن مدرجة في البورصة.
وهذا يعني أن المستثمرين لا يقيمون فقط الإنجازات التقنية أو طموحات إيلون ماسك، بل يراقبون:
- الإيرادات والأرباح والخسائر.
- التدفقات النقدية.
- حجم الإنفاق الرأسمالي.
- تكلفة تطوير Starship.
- نمو مشتركي Starlink.
- خسائر واستثمارات الذكاء الاصطناعي.
- عدد الأسهم الجديدة التي قد تدخل السوق.
- قدرة الشركة على تحويل طموحاتها الضخمة إلى أرباح حقيقية.
وهذا التحول من «قصة مستقبلية مثيرة» إلى شركة عامة مطالبة بإظهار أرقام فصلية قد يفسر جزءًا كبيرًا من الضغط الحالي.
4 أغسطس.. الاختبار الأهم لسبيس إكس منذ الاكتتاب
قد تأتي اللحظة الأكثر أهمية للسهم في 4 أغسطس 2026.
فقد أعلنت SpaceX رسميًا أنها ستنشر نتائجها المالية والتشغيلية للربع الثاني من 2026 بعد إغلاق السوق في ذلك اليوم، ثم تعقد مؤتمرًا لمناقشة النتائج.
وستكون هذه أول نتائج فصلية للشركة منذ دخولها البورصة.
وهنا سيحصل المستثمرون على فرصة لتقييم الأرقام بعيدًا عن الضجة المصاحبة للصواريخ والذكاء الاصطناعي وإيلون ماسك.
وسيراقب السوق خصوصًا نمو Starlink، وحجم خسائر أو استثمارات وحدات الذكاء الاصطناعي، والإنفاق على Starship، وأي توقعات تقدمها الإدارة للفصول المقبلة.
وقد يصبح التقرير نقطة تحول للسهم: إما أن يساعد الشركة في استعادة جزء من الثقة المفقودة، أو يضيف ضغطًا جديدًا إذا جاءت النتائج أقل من التوقعات.
من التريليونير إلى اختبار الواقع
قصة هبوط ثروة إيلون ماسك من 1.45 تريليون دولار إلى أقل من 700 مليار خلال أسابيع تبدو للوهلة الأولى قصة عن خسائر شخص واحد.
لكن ما يحدث أوسع من ذلك.
إنه اختبار حقيقي لأحد أكثر التقييمات جرأة في تاريخ الأسواق المالية الحديثة.
فقد دخلت SpaceX البورصة عند 135 دولارًا، ثم قفز سهمها إلى أكثر من 225 دولارًا خلال أيام، لترتفع قيمة الشركة إلى قرابة 3 تريليونات دولار، قبل أن يعود السهم سريعًا إلى حدود 110 دولارات.
هذه الحركة لا تعني بالضرورة أن مستقبل SpaceX أصبح قاتمًا، كما أنها لا تعني أن Starlink أو Starship فقدا قيمتهما الاستراتيجية.
لكنها تكشف أن السوق بدأ يفصل بين سؤالين مختلفين تمامًا:
هل SpaceX شركة استثنائية؟
والإجابة حتى الآن قد تكون نعم.
أما السؤال الأصعب فهو:
هل كانت تستحق بالفعل تقييمًا يقارب 3 تريليونات دولار؟
هذا هو السؤال الذي يحاول المستثمرون الإجابة عنه الآن، وربما تقدم نتائج 4 أغسطس أول إجابة مالية حقيقية منذ دخول الشركة إلى البورصة.
