إعلان

أحيانًا نقرأ خبرًا طويلًا، ثم نخرج منه ونحن أقل فهمًا ممّا دخلنا. وبعدها يظهر فيديو قصير مدته نصف دقيقة، فيه موسيقى لاصقة في الرأس، وشخصيات ليغو تركض وتنفجر وتغني، فنفهم فجأة كيف يريد طرف ما أن نرى الحرب. هنا بالضبط تبدأ القصة.

ما يجري مع فيديوهات ليغو الإيرانية ليس مجرد طرفة إنترنت عابرة، ولا مجرد عبث شبابي صنعته أدوات الذكاء الاصطناعي. نحن أمام شكل جديد من الدعاية الرقمية: سريع، ذكي، ساخر، وسهل الهضم لدرجة أنه يدخل إلى عقل المتابع مثل قطعة شوكولاتة، ثم يترك وراءه أسئلة سياسية ثقيلة. تقرير The Verge وصف مجموعة Explosive Media بأنها صارت ظاهرة فيروسية، بينما أشارت AP إلى أن هذه المقاطع حصدت ملايين المشاهدات على منصات مختلفة، مع جدل واسع حول ما إذا كانت مستقلة فعلًا أم تتحرك داخل بيئة إعلامية قريبة من الدولة الإيرانية.

النقاط الرئيسية

  • فيديوهات ليغو الإيرانية نجحت لأنها تبسّط الرسالة السياسية داخل قالب ساخر وسريع الانتشار.
  • الذكاء الاصطناعي هنا لا يصنع الترفيه فقط، بل يعيد تشكيل الانطباع العام عن الحرب والخصوم والجمهور نفسه.
  • الانتشار الواسع لا يعني المصداقية، بل يعني أن الدعاية تعلّمت أخيرًا كيف تتكلم بلغة المنصات.

السر ليس في ليغو وحده

حين تقول المجموعة إن “ليغو لغة عالمية”، فهي لا تبالغ كثيرًا. الفكرة بسيطة: بدل أن تقدّم خطابًا سياسيًّا ثقيلًا، تقدّم شخصيات نعرف شكلها جميعًا، وحركة واضحة، ومبالغة كاريكاتيرية تسمح بالسخرية من الخصم من دون الحاجة إلى واقعية مرهقة. The Verge نقل عن أحد ممثلي المجموعة أنها تتكوّن من نحو 10 أشخاص، وأن كل مشروع يبدأ بسيناريو، ثم توليد لقطات وموسيقى بالذكاء الاصطناعي، وبعدها مرحلة دمج ومونتاج. هذا مهم، لأن الفيرالية هنا لم تأتِ من الأداة وحدها، بل من وجود كتابة وفكرة وإيقاع. الذكاء الاصطناعي أعطاهم المحرك، لكن القلب كان في السرد.

@mahdihemmat $100 MILLION dollars… just to rescue ONE pilot 😂 Lost a C-130 + Black Hawks in the process. “World’s strongest military” everybody… We’re waiting for the boots on the ground — please come back! 🇮🇷 Lego animation 🔥 #Iran #IranStrong #OnePilot #Lego #LegoAnimation ♬ original sound – Mahdi.Hemmat

لماذا انتشرت بهذه السرعة؟

الجواب ليس سحريًّا، بل تقني ونفسي في الوقت نفسه. أولًا، الجمهور الشاب يعيش أصلًا داخل بيئة الفيديو القصير. Pew Research وجد أن يوتيوب يستخدمه 90% من المراهقين الأميركيين تقريبًا، بينما يستخدم نحو 6 من كل 10 منهم تيك توك وإنستغرام. وعندما نعرف أن هذه المنصات هي مسرح الاستهلاك اليومي لدى الفئات الأصغر، نفهم لماذا تبدو المقاطع الساخرة أسرع وصولًا من المقالات التقليدية أو المؤتمرات الرسمية.

إعلان

ثانيًا، الأخبار نفسها صارت تتحرك عبر المنصات الاجتماعية بطريقة لم تعد هامشية. وفق Pew أيضًا، قال 30% من البالغين في الولايات المتحدة إنهم يحصلون بانتظام على الأخبار من فيسبوك، و16% من إنستغرام، و14% من تيك توك، و12% من X. هذا يعني أن المعركة لم تعد فقط: من يملك المعلومة؟ بل أيضًا: من يملك القالب الأسرع لتحويلها إلى مزاج عام؟

ثالثًا، هذه المقاطع لا تشرح الحدث بقدر ما تشرح “كيف يجب أن تشعر تجاه الحدث”. وهذه نقطة شديدة الأهمية. الأخبار التقليدية تحاول — نظريًّا على الأقل — أن تنقل الوقائع. أمّا الميم السياسي الذكي، فهو يختصر الطريق ويقول لك: هذا البطل، وهذا الأحمق، وهذا المنتصر، وهذا المهزوم. خلال ثوانٍ قليلة فقط، تحصل على رواية كاملة، مع موسيقى ونغمة وانحياز جاهز.

حين تصبح الدعاية أكثر أناقة من الخطاب الرسمي

المزعج في هذه الظاهرة ليس فقط أنها ناجحة، بل أنها ناجحة لأن خصومها يبدون أقل براعة على المنصة نفسها. The Verge قدّمت هذه الفكرة بوضوح: محتوى Explosive Media يبدو أكثر تماسُكًا وإتقانًا من كثير من المواد الساخرة التي خرجت من الحسابات الرسمية الأميركية. وحتى AP أشارت إلى أن الحملة الإيرانية أو المؤيدة لإيران تبدو متقنة في اللغة الإنجليزية، مشبعة بمراجع من الثقافة الأميركية، وقادرة على السخرية من ترامب ومن الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة بذكاء لافت.

Iran comes out with new Lego vid to Troll Pete Hegseth & Trump
#Hegseth #Trump #Iran #Lego #Troll #PedoPrez #EpsteinClass

[image or embed]

— Pete 👎 ABOLISH ICE 👎 (@barrelbucket.bsky.social) April 4, 2026 at 12:35 AM

وهنا نصل إلى نقطة حساسة: الدعاية لم تعد تحتاج إلى مذيع صارم وربطة عنق وخلفية علمية زرقاء. الآن يمكنها أن ترتدي شكل لعبة أطفال، وتغني، وتتحرك بسرعة، وتبدو “مرحة” وهي تعيد تشكيل الانطباعات السياسية. هذا لا يجعلها أقل خطورة. على العكس، ربما يجعلها أكثر فعالية، لأن المتلقي يفتح لها الباب وهو يظن أنه يشاهد تسلية فقط.

لكن هل هي مؤثرة لأنها صادقة؟

ليس بالضرورة. وهذا أهم سطر في المقال كله.

الانتشار لا يساوي الحقيقة، والجاذبية لا تعني النزاهة. Reuters Institute أشار في تقريره الرقمي لعام 2025 إلى أن 58% من المشاركين عالميًّا قلقون أصلًا من قدرتهم على التمييز بين الصحيح والزائف في الأخبار على الإنترنت. والأهم أن المؤثرين والشخصيات الرقمية باتوا يُنظر إليهم بوصفهم من أكبر مصادر الخطر حين يتعلق الأمر بالمعلومات المضللة، جنبًا إلى جنب مع السياسيين الوطنيين. عندما نضع هذه الأرقام بجانب ظاهرة فيديوهات ليغو الإيرانية، نفهم أننا لا نتحدث عن “نكتة ناجحة”، بل عن بيئة معلومات هشة أصلًا، تكافئ السرد الأسرع لا السرد الأدق.

من هنا، أرى أن قوة هذه الفيديوهات لا تأتي من أنها أقنعت الجميع بالحقائق، بل من أنها قدّمت لهم قصة سهلة المشاركة. والإنترنت يحب القصص التي يمكن حملها في الجيب. لقطة واحدة، جملة لاذعة، أغنية علقت في الذهن، ثم ينطلق الفيديو كشرارة وسط حطب جاهز.

الاستقلال المعلن والشكوك القائمة

هناك طبقة أخرى تجعل الموضوع أكثر تعقيدًا. فالمجموعة تصف نفسها، بحسب The Verge وAP، بأنها مستقلة وتعمل من داخل إيران، وبعض أفرادها يقولون إنهم مجرد أصدقاء يمولون عملهم بأنفسهم. لكن محللين وخبراء نقلت عنهم AP يرون أن مستوى الوصول والاتصال والإنتاج داخل بيئة إنترنت شديدة التقييد يثير أسئلة كبيرة حول طبيعة العلاقة، المباشرة أو غير المباشرة، مع مؤسسات الدولة أو دوائر قريبة منها. كما أن وسائل إعلام رسمية إيرانية أعادت نشر بعض هذه المقاطع.

لسنا مضطرين هنا إلى تبنّي رواية نهائية. يكفي أن نقول بوضوح: سواء كانت المجموعة مستقلة تمامًا أو لا، فإن ناتجها يخدم معركة نفوذ وسردية عامة، وهذا وحده يكفي لوضعها داخل خانة الدعاية السياسية الحديثة.

لماذا حُذفت حساباتهم؟

The Verge ذكرت أن صفحات Explosive Media الرسمية على يوتيوب وإنستغرام أُزيلت مؤخرًا، وأن يوتيوب قال إن المحتوى خالف سياسات المنصة المتعلقة بالسبام والممارسات الخادعة والاحتيال. وسياسات YouTube الرسمية توضّح أن المنصة تمنع المحتوى المضلل، والبيانات الوصفية أو الصور المصغرة الخادعة، وكذلك المحتوى المؤتمت الذي يُنشر من دون اعتبار للجودة أو لتجربة المشاهد، ويمكن أن يصل الأمر إلى إنهاء القناة في بعض الحالات.

لكن الحذف لا يساوي الاختفاء. هذا هو درس الإنترنت القديم الجديد. ما دام المقطع قابلًا لإعادة الرفع والقص والاقتباس والتدوير بين تيك توك وX وتيليغرام، فإنه يواصل الحياة مثل قطة تعرف كل مخارج البيت. ربما تُغلق له بابًا، لكنه يدخل من الشباك.

إن نجاح فيديوهات ليغو الإيرانية يكشف ثلاثة تحولات كبرى دفعةً واحدة. أولًا، الذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة صناعة الدعاية الجذابة. ثانيًا، السخرية صارت أسرع من البيانات الرسمية في تشكيل الانطباع. ثالثًا، الحرب على الإنترنت لم تعد هامشًا للحرب الحقيقية، بل صارت جبهة قائمة بذاتها.

ولهذا السبب، أتوقع أن نرى مزيدًا من “المحتوى السياسي القابل للمشاركة” في النزاعات المقبلة: رسوم، أغانٍ، شخصيات ثابتة، أساليب بصرية مألوفة، وقصص تُكتب لتلائم الخوارزميات قبل أن تلائم كتب التاريخ. والسؤال الذي سيبقى معنا ليس: هل الفيديو ممتع؟ بل: ماذا يفعل هذا المرح بعقولنا حين يختلط بالدعاية؟

الخلاصة التي أخرج بها بسيطة: القلب مهم، نعم، لكن القلب وحده لا يكفي. ما يصنع الفيرالية اليوم هو التقاء القلب مع الخوارزمية، والسرد مع التوقيت، والفكرة مع الشكل. ومن لا يفهم هذه المعادلة سيظل يتحدث كثيرًا… بينما فيديو ساخر من 30 ثانية يسرق منه المشهد كله.


الأسئلة الشائعة

ما المقصود بفيديوهات ليغو الإيرانية؟
هي مقاطع قصيرة مولّدة أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تستخدم شخصيات شبيهة بليغو لتقديم رسائل سياسية ساخرة مرتبطة بالحرب والسرديات العامة.
لماذا نجحت هذه الفيديوهات في الانتشار؟
لأنها تجمع بين السخرية والبساطة والإيقاع السريع، وتخاطب جمهور المنصات بلغته البصرية والموسيقية المعتادة.
هل يعني انتشارها أنها صادقة أو دقيقة؟
لا. الانتشار يعني أنها فعالة في جذب الانتباه، لكنه لا يضمن صحة الرسائل أو نزاهة السرد الذي تقدمه.
هل تُعد هذه الفيديوهات دعاية سياسية؟
نعم، غالبًا. حتى حين تأتي في قالب فكاهي، فهي تحاول توجيه الانطباع العام والتأثير في رؤية الجمهور للأحداث والخصوم.
ما الدرس الأهم لوسائل الإعلام من هذه الظاهرة؟
أن الجمهور لم يعد يكتفي بالمعلومة وحدها؛ بل يريد صياغة ذكية وواضحة وسريعة، من دون التفريط بالمصداقية.

المصادر

  • The Verge
  • Associated Press
  • Reuters Institute Digital News Report 2025
  • Pew Research Center
  • YouTube Help

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
تعليقات داخلية
عرض كل التعليقات
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version