خرجت سوريا للتو من حقبة مظلمة ومدمرة، ومن الطبيعي أن نتوق جميعاً لرؤية بلدنا في مصاف الدول المتقدمة والمستقرة. لكن الانتقال من واقع الحرب والدمار إلى دولة المؤسسات لا يحدث بلمحة بصر؛ بل يتطلب فهماً دقيقاً لواقعنا الحالي، وتوازناً بين طموحاتنا المشروعة والخطوات العملية الممكنة.
فخ التوقعات المرتفعة
رفع سقف التوقعات في المرحلة الانتقالية هو أقصر طريق للإحباط. من يظن أن سوريا ستتحول فوراً إلى دولة رفاهية تضاهي اليابان أو سويسرا، يظلم نفسه ويظلم وطنه. هذه المرحلة ليست لبناء “الدولة الحديثة المثالية”، بل هي “مرحلة إنقاذ” تهدف بالدرجة الأولى إلى إيقاف النزيف، وتثبيت الأمن، وتخفيف الأعباء المعيشية تدريجياً، لتهيئة الأرضية لمرحلة البناء الشامل.
إنجازات التأسيس.. البناء بصمت
إذا نظرنا بواقعية، سنجد أنفسنا أمام تغييرات جذرية ومكتسبات كبرى تحققت في وقت قياسي وتستحق أن نبني عليها:
- كسر العزلة الاقتصادية (إسقاط قانون قيصر): نجاح الدولة في إنهاء حقبة العقوبات الخانقة وإسقاط “قانون قيصر” الذي كان يشل مفاصل الاقتصاد السوري مالياً وصناعياً وتجارياً. هذا الإنجاز الدبلوماسي الجبار هو الرئة التي سيتنفس منها الاقتصاد مجدداً لتبدأ عجلة الاستثمار وإعادة الإعمار.
- الأمان وحرية الحركة: استعادة حقنا البديهي في التنقل عبر المطارات والمعابر وشوارع المدن بأمان، دون رعب الحواجز والاعتقال التعسفي.
- تفكيك البنية القمعية: إنهاء حقبة الأجهزة الأمنية المتعددة والمتغولة، وحصرها في مؤسسة داخلية واحدة، وهو الانتقال الحقيقي نحو “دولة المؤسسات”.
- توحيد السلاح: حل جيش النظام والفصائل المتناثرة، وتأسيس جيش وطني واحد لحماية البلاد من الفوضى.
- استعادة الجغرافيا: إنهاء التشكيلات الانفصالية واستعادة مناطق حيوية كالجزيرة السورية، مما يعيد للبلاد وحدتها ومواردها.
رسالة إلى الحكومة: الشفافية تبني الثقة
هذه الإنجازات وغيرها تحتاج إلى تواصل مستمر مع الشارع. لا يكفي أن تعمل الحكومة بصمت؛ بل يجب على مؤسسات الدولة أن تنتهج سياسة “الشفافية الإعلامية”. يجب إطلاع المواطنين بوضوح وبشكل دوري على ما يتحقق على أرض الواقع، وكيف تنعكس هذه الإنجازات على حياتهم اليومية. غياب المعلومة يفتح الباب للشائعات والإحباط، بينما مشاركة الناس بحجم التحديات وما يُنجز لتجاوزها يبني جسور الثقة ويجعل المواطن شريكاً، لا مجرد ناقد.
دور المواطن: شريك في البناء
النجاح في هذه المرحلة يتطلب أيضاً تغييراً في عقلية المواطن؛ بالانتقال من “عقلية المعارضة” إلى “عقلية الدولة”. المرافق العامة والقوانين لم تعد أدوات بيد سلطة قمعية، بل أصبحت ملكاً لنا وحمايتها واجب وطني. وفي ظل إنهاك مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن ننتظر الحكومة لحل كل مشكلة محلية؛ بل يجب تفعيل المبادرات الأهلية، والتطوع، والتكافل ضمن الأحياء. كما أن مسؤوليتنا اليوم تتجلى في الوعي الإعلامي وعدم الانجرار خلف الشائعات التي تعرقل مسيرة التعافي.
أخيراً..
لم تتحرر سوريا بكلمات نكتبها على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحررت بدماء وتضحيات من قدموا أرواحهم بصمت. مسؤوليتنا اليوم هي الحفاظ على مكتسبات هذا التحرير بالوعي، والصبر، والعمل المستمر، بدلاً من الغرق في تذمر لا يبني وطناً.



