تحول سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين إلى أكبر موجة استثمار تكنولوجي في التاريخ الحديث، حيث تتدفق تريليونات الدولارات على مراكز البيانات، والطاقة، والرقائق، والروبوتات، والبنية التحتية الحاسوبية.
الطفرة الأمريكية: أرقام غير مسبوقة وضغوط على الموارد
تقدر الاستثمارات الأمريكية في مراكز البيانات والبنية التحتية ذات الصلة بنحو 10.3 تريليونات دولار بين عامي 2025 و2032، وهو ما يعادل نحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. ويتجاوز هذا الإنفاق طفرات تاريخية كبرى مثل السكك الحديدية (2.24%) والكهرباء (1.13%) في القرون السابقة.
تشير بيانات “فاكت سيت” إلى أن الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات كبرى فقط (ألفابت، أمازون، ميتا، مايكروسوفت، أوراكل) قد بلغ 4.2 تريليونات دولار خلال السنوات الأربع المنتهية في 2029.
ومع ذلك، أدى هذا التوسع السريع إلى مزاحمة قطاعات اقتصادية أخرى على الأراضي والكهرباء والعمالة المتخصصة. على سبيل المثال، تسبب إنشاء أحد مراكز البيانات في إلغاء إقامة مصهر للألمنيوم في ولاية مسيسيبي بعد أن حجز مركز البيانات حصة الكهرباء بالكامل.
مكاسب الوظائف والتضخم قصير الأجل
على صعيد سوق العمل، ارتبط الذكاء الاصطناعي بأكثر من 750 ألف وظيفة جديدة في الولايات المتحدة بين 2023 و2026، بمتوسط راتب بلغ 180 ألف دولار مقارنة بـ 80 ألف دولار للوظائف العامة. كما أضاف توسع مراكز البيانات نحو 117 ألف وظيفة دائمة، وضاعف أعداد الكهربائيين المنتسبين للنقابات في منطقة واشنطن.
في المقابل، تسبب هذا الطلب المحموم في ضغوط تضخمية قصيرة الأجل؛ فقد ارتفعت أسعار استيراد أجهزة الكمبيوتر وأشباه الموصلات بنحو 20%، وصعدت فواتير الكهرباء في مناطق تركز مراكز البيانات، بينما تعتمد شركات التكنولوجيا على الديون والتمويل الخارجي لتمويل هذه البنية التحتية الضخمة.
النموذج الصيني: الدولة تقود المعركة
في المقابل، تخوض الصين السباق بنموذج يرتكز على التوجيه الحكومي المركزي وصناديق الاستثمار. ضخت الصناديق الحكومية أكثر من 184 مليار دولار بين 2000 و2023، وتعهدت بكين بمئات المليارات الإضافية، مستخدمة أدوات مثل الحوافز الضريبية والمنح (وصلت إلى 29 مليون دولار لبعض الاختراقات في شنغهاي).
أدى هذا النهج إلى تشغيل أكثر من مليوني روبوت في المصانع الصينية (أكثر من بقية العالم مجتمعة)، ووجود أكثر من 6 آلاف شركة ذكاء اصطناعي بقيمة تجاوزت 171 مليار دولار.
عقبة الرقائق المتقدمة
رغم التفوق التمويل والتشغيلي للصين، إلا أنها تواجه عقبة رئيسية تتمثل في صناعة الرقائق المتقدمة. فبعد أن أنفقت بكين أكثر من 150 مليار دولار خلال عقد لتطوير هذا القطاع، ما زالت تواجه قيوداً تقنية فرضتها العقوبات الغربية، مما يؤكد أن الدعم المالي وحده لا يكفي لتحقيق الاختراقات الحاسوبية دون أشباه الموصلات المتقدمة.
يبقى الرهان الأكبر معقوداً على قدرة مكاسب الإنتاجية المستقبلية على تبرير هذه التكاليف الباهظة، في وقت يتحمل فيه النظام المالي والشركات في أمريكا المخاطر عبر الديون، بينما تقود الدولة في الصين دفة التمويل والإنتاج.
