في كل عام، يقدّم تقرير “عام في البحث” من غوغل خريطة دقيقة لِما شغل عقول الناس، وما أثار نقاشاتهم، وما شكّل نبض الإنترنت حول العالم. لكن تقرير 2025 بدا مختلفًا، ليس فقط بسبب تصدّر الذكاء الاصطناعي اهتمامات المستخدمين، بل لأن حركة البحث نفسها باتت انعكاسًا لتحولات اجتماعية وثقافية وسياسية سريعة في عالم لم يعد مستقراً كما كان قبل سنوات قليلة.
عام 2025 كان عام الأسئلة الكبيرة: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ كيف نواجه تغيّرات السياسة العالمية؟ وكيف نختار ترفيهنا في عصر الخيارات اللانهائية؟ وبين كل هذا الضجيج، أصبحت عملية البحث مرآة دقيقة لحياة مليئة بالتغيرات.
الذكاء الاصطناعي يقود سباق البحث عالميًا
أكثر ما لفت الأنظار هذا العام هو تصدّر “جيميني” — نموذج الذكاء الاصطناعي من غوغل — لقائمة أكثر الموضوعات ارتفاعًا في معدل البحث عالميًا. هذا الصعود ليس مفاجئًا، فعدد مستخدمي روبوتات الدردشة تجاوز 1.7 مليار مستخدم يوميًا وفق تقديرات شركات تحليل السوق.
كما ظهر “ديب سيك” و”نانو بنانا” و”Veo” في قوائم الدول العربية، ما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية حديثة إلى أداة يومية يعتمد عليها الطالب، والمصمم، ورجل الأعمال، وحتى المستخدم العادي.
هذا التوجه يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح البنية التحتية غير المعلنة للإنترنت اليوم. ومع توقعات بأن يصل سوق نماذج الذكاء إلى 1.3 تريليون دولار بحلول 2030، يبدو أن عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مستقبلًا… بل واقعًا نعيشه الآن.
إعلان
السياسة حول العالم: بحث عن الاستقرار وسط الفوضى
ارتفاع عمليات البحث المتعلقة بالاضطرابات السياسية ليس مفاجئًا، خصوصًا مع أحداث عالمية متسارعة. كلمات مثل:
- إيران
- إغلاق الحكومة الأميركية
- Charlie Kirk assassination
تصدرّت العناوين الإخبارية، ما يعكس حالة قلق عالمي ورغبة في فهم المشهد السياسي.
في الدول العربية، كانت موضوعات مثل الصراع الإيراني–الإسرائيلي و أسعار الذهب هي الأكثر حضورًا.
يمكن قراءة هذا الارتفاع بوصفه مؤشراً على تنامي دور المواطن الرقمي، الذي لم يعد ينتظر الأخبار بل يصنع تجربته الخاصة من خلال البحث والتحليل.
الطعام والترفيه: بحث عن المتعة وسط الضغوط
تصدّر العسل الحار (Hot Honey) قوائم وصفات الطعام عالميًا، بينما سيطر فيلم Anora على عمليات بحث الأفلام.
أما في العالم العربي، فكان التفاعل الثقافي واضحًا مع أعمال مثل:
- فيلم سيكو سيكو
- مسلسل شباب البومب
- مسلسل ليلى
- افتتاح المتحف المصري الكبير
هذا يوضح أن المستخدم العربي يوازن بين متابعة التكنولوجيا والبحث عن مصادر ترفيه محلية تُشعره بالانتماء.
الرياضة.. الملك المتوّج على محركات البحث
لم يتغير كثيرًا: ما زالت كرة القدم الأيقونة التي تجمع العالم. ففي 2025، تصدّر:
- كأس العالم للأندية
- كأس آسيا
- Champions Trophy
وفي العالم العربي، كان الأهلي، ريال مدريد، وبرشلونة ضمن الأكثر بحثًا، إضافة إلى مباريات المنتخبات العربية مثل العراق والأردن.
ارتفعت عمليات البحث الرياضية عالميًا بنسبة 38% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى معدل مسجّل في عقد كامل.
ماذا عن الدول العربية؟
كل دولة عربية قدّمت مشهداً خاصًا بها:
السعودية:
تحول رقمي واسع — منصات حكومية، تسجيلات رسمية، اختبارات قياس… مع اهتمام ملحوظ بالذكاء الاصطناعي.
الإمارات:
الكريكيت في الصدارة تليها موجة AI، ما يعكس الطابع المتعدد الثقافات في الدولة.
مصر:
كرة القدم، الاضطرابات الإقليمية، ثم انفجار الاهتمام بالفن المحلي.
فلسطين:
التعليم والجامعات… وجرعة من الترفيه مع كرة القدم.
العراق والأردن وسوريا والمغرب والجزائر:
مزيج من التكنولوجيا، الدراما، والتعليم، وكرة القدم.
ما الذي تكشفه هذه الاتجاهات لنا؟
يظهر من تحليل بيانات البحث في 2025 أننا نعيش في مرحلة انتقالية:
- الإنسان يبحث أكثر عن الاستجابة السريعة وليس عن المعلومات المجردة.
- الذكاء الاصطناعي أصبح شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة.
- الترفيه المحلي يستعيد مكانته أمام الإنتاج العالمي.
- التعليم والخدمات الحكومية الرقمية باتت ركيزة يومية.
بمعنى آخر… الإنترنت لم يعد مكانًا للتصفح فقط، بل أصبح مساحة ننظم عبرها حياتنا بالكامل.
إلى أين نتجه بعد 2025؟
يتوقع خبراء التقنية أن تتغير طبيعة البحث خلال السنوات الثلاث المقبلة جذريًا، لتصبح:
- أكثر اعتمادًا على البحث الصوتي
- أكثر دقة عبر الذكاء الاصطناعي السياقي
- أقل اعتمادًا على الروابط التقليدية وأكثر اعتمادًا على الإجابات المباشرة
القارئ اليوم بحاجة إلى مصادر محدّثة وموثوقة وسط كثافة المعلومات… وهنا تكمن أهمية فهم اتجاهات البحث: تساعدنا على إدراك كيف يتطور العالم، وكيف نطوّر معرفتنا معه.
المصدر:
تقرير Google — Year in Search 2025



