التاريخ السياسي لفرنسا مع الحجاب ليس وليد مخاوف “الإسلام السياسي” أو أزمات الضواحي الحديثة، بل يمتد جذوره إلى عقود الاستعمار الطويلة، وتحديداً في الجزائر منذ عام 1830. لقد حوّل الاستعمار الفرنسي الحجاب إلى هوس بصري وسياسي، معتبراً إياه العائق الأبرز أمام “رسالته الحضارية”.
المخيلة الاستعمارية ومسرح الكشف
عكس الفن والأدب الفرنسي القرن التاسع عشر هوساً باختراق الحياة الخاصة للمسلمين. وتجلت هذه النزعة في لوحة أوجين ديلاكروا “نساء الجزائر في شقتهن” (1834) والبطاقات البريدية لمالك علولة في أوائل القرن العشرين، حيث صور المستعمر كشف الحجاب باعتباره مقدمة لامتلاك الأرض والمجتمع.
وفي عام 1959، وثّق الطبيب النفسي فرانز فانون كيف شن المسؤولون الفرنسيون حرباً ممنهجة على الحجاب، مقتنعين بأن السيطرة على الجزائر تستوجب إخضاع نسائها. وفي المقابل، استغلت النساء الجزائريات النظرة الاستعمارية النمطية لحمل السلاح والرسائل لجبهة التحرير الوطني تحت غطاء الحجاب.
كما ربطت قوانين الجمهورية الثالثة حقوق المواطنة الكاملة للجزائريين بالتخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية والاندماج في القانون المدني، وهو شرط تعجيزي لم يحققه سوى أعداد ضئيلة، مما اختزل حق شعب بأكمله في المشاركة السياسية إلى شرط رمزي يخص أردية النساء.
حرب مكافحة التمرد
خلال الثورة الجزائرية (1954)، صعد الجيش الفرنسي من حربه النفسية عبر ما سمي بـ”برامج التحرير”. وبلغت هذه السياسة ذروتها في 13 مايو/أيار 1958، عندما نظم الجيش عروضاً مدبرة لخلع الحجاب وحرقه علناً في شوارع الجزائر العاصمة، في محاولة مصطنعة لفرض النموذج الغربي للأسرة والسيطرة على المجتمع.
إرث اليمين المتطرف الفرنسي المعاصر
انتقل هذا الإرث الاستعماري إلى قلب السياسة الفرنسية المعاصرة مع تأسيس حزب “الجبهة الوطنية” (التجمع الوطني حالياً) عام 1972 على يد شخصيات مرتبطة بحرب الجزائر، مثل جان ماري لوبان. وقد بنى الحزب هويته على تصوير المهاجرين كـ”محليين محتلين”، معيداً تدوير هوس الجمهورية القديم بالحجاب كرمز لتهديد الهوية الفرنسية.
واليوم، تستخدم قيادات اليمين المتطرف، مثل مارين لوبان ونواب حزبها، خطابات “النسوية وحقوق المرأة” كمبرر لفرض حظر شامل على الحجاب في الأماكن العامة وفرض غرامات على مرتديه. وهو توظيف سياسي مفارق يعتمد على إنقاذ النساء المسلمات، بينما يهدف في الواقع إلى إقصائهن من الفضاء العام.
إن استهداف الحجاب عبر قوانين مثل حظر الرموز الدينية في المدارس (2004)، ومنع تغطية الوجه (2010)، ومقترحات حظره كلياً، يهدد مبدأ المواطنة المتساوية، ويقود تدريجياً نحو الانسحاب القسري للمسلمات من الحياة العامة تحت غطاء “التحرر”.



