إعلان

تأثير «كرة الثلج العلمية»

منذ تأسيس جائزة نوبل عام 1901، حافظت مجموعة صغيرة من المؤسسات الأكاديمية المرموقة، مثل هارفارد وكامبريدج وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، على حضور قوي في قائمة الجامعات المرتبطة بأكبر عدد من الفائزين بالجائزة. تتصدر هارفارد القائمة بـ161 فائزًا مرتبطًا بها، تليها كامبريدج بـ126، ثم جامعة كاليفورنيا في بيركلي بـ110.

ويربط الخبراء هذا التفوق بما يمكن تسميته التراكم المؤسسي أو تأثير «كرة الثلج العلمية». فعندما تستقطب جامعة عالمًا بارزًا، فإنها لا تستفيد فقط من أبحاثه الحالية، بل تجذب أيضًا طلابه والباحثين الشباب وشبكات الإرشاد العلمي المرتبطة به.

ومع مرور الأجيال، تتراكم هذه المزايا. فالإنجازات العلمية المبكرة تجذب مزيدًا من المواهب والتمويل والموارد، ما يخلق دورة ذاتية الاستمرار تقود في كثير من الأحيان إلى اكتشافات رائدة تنتهي بالاعتراف الدولي وجوائز نوبل.

الأشجار الأكاديمية ودور الإرشاد العلمي

يجذب كبار الباحثين بطبيعتهم طلابًا وباحثين طموحين، وهو ما يساعد على انتقال المعرفة والخبرة داخل المختبرات والمجموعات البحثية، وليس عبر الكتب الدراسية وحدها.

حللت دراسة منشورة في مجلة Scientometrics شبكة تضم نحو 58 ألف عالم، من بينهم 402 من الحائزين على جائزة نوبل. وأظهرت النتائج أن الفائزين بنوبل ينتمون غالبًا إلى شبكات أكاديمية أكثر ترابطًا وكثافة، إذ يحتفظون بروابط قوية مع المشرفين والطلاب والأجيال العلمية اللاحقة ضمن السلالة الأكاديمية نفسها، أحيانًا عبر ثلاثة أو أربعة أجيال.

إعلان

وتوضح مراكز علمية تاريخية، مثل كامبريدج في أواخر القرن التاسع عشر وجامعة كولومبيا في أوائل القرن العشرين، كيف يمكن لاستمرار الإرشاد الأكاديمي عبر أجيال متتالية أن يسرّع تراكم المهارات والخبرات العلمية.

لماذا قد تكون البنية التحتية أهم من المنح وحدها؟

الأفكار العبقرية لا تتحول إلى اكتشافات فعلية من دون بيئة تجريبية متقدمة. وتشمل البنية التحتية البحثية عالية المستوى مختبرات متطورة، وقدرات حوسبة متقدمة، وفنيين متخصصين، إلى جانب أنظمة كهرباء موثوقة وعالية القدرة تضمن تشغيل الأجهزة المعقدة باستمرار.

حللت دراسة منشورة في The FASEB Journal أبحاثًا مرتبطة باكتشافات فائزة بجائزة نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء. والمثير للاهتمام أن نحو 30% من الأوراق البحثية الأساسية لم تذكر حصولها على تمويل مباشر من منح بحثية.

وأظهرت مقابلات لاحقة مع عدد من الفائزين أن كثيرًا من الأفكار الكبرى ظهرت داخل ما يمكن وصفه بـ«بيئات بحثية محمية»، أي مؤسسات توفر مختبرات وتجهيزات مستقرة وطويلة الأجل، تسمح للعلماء بملاحقة أفكار عالية المخاطر من دون الاضطرار المستمر إلى البحث عن منح قصيرة الأجل.

وتوضح بيانات المركز الوطني الأمريكي لإحصاءات العلوم والهندسة (NCSES) حجم هذا الاستثمار. ففي عام 2021 وحده، أنفقت الجامعات الأمريكية 2.7 مليار دولار على معدات البحث، إضافة إلى مليارات أخرى على إنشاء وتجديد منشآت العلوم الفيزيائية.

وأعلنت هارفارد عن أكثر من مليار دولار من التمويل البحثي الخارجي، إلى جانب نحو 500 مليون دولار من المخصصات الداخلية للمختبرات والصيانة، بينما خصص معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نحو 19% من تكاليفه البحثية غير المباشرة لصيانة المنشآت. وفي المملكة المتحدة، تستثمر مؤسسة UK Research and Innovation (UKRI) مليارات الجنيهات في البنية التحتية البحثية الوطنية للحفاظ على القدرة التنافسية للمختبرات البريطانية عالميًا.

دور الحرية الأكاديمية والتمويل

البنية التحتية وحدها لا تكفي، إذ تحتاج الاكتشافات العلمية أيضًا إلى قدر من المرونة المؤسسية والحرية الأكاديمية.

تابعت دراسة منشورة في PLOS ONE الفائزين بجائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وتشير البيانات إلى أن الدول التي تتمتع جامعاتها بدرجات أقل من الرقابة البيروقراطية المركزية، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أنتجت باستمرار عددًا أكبر من الفائزين بجائزة نوبل مقارنة بدول تفرض سيطرة مؤسسية مركزية أشد على جامعاتها.

في النهاية، لا يمكن تفسير تفوق بعض الجامعات في تصنيفات نوبل بعامل واحد فقط. فالعلماء المتميزون يجذبون الطلاب الموهوبين، والخريجون الناجحون يساعدون في جذب تمويل أكبر، والتمويل يتيح بناء مختبرات وبنية تحتية أكثر تقدمًا.

هذه الحلقة المترابطة هي ما يصنع «كرة الثلج العلمية» التي تمكّن مؤسسات مثل هارفارد وكامبريدج من إنتاج أجيال متتالية من الباحثين والمبتكرين على مستوى عالمي.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version