تتحرك غوغل بسرعة لافتة في سباق الذكاء الاصطناعي، لكن هذه السرعة لا تشمل جميع نماذجها بالطريقة نفسها.
ففي 13 أغسطس/آب 2026، أطلقت الشركة نموذج Gemini 3.7 Flash، بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من تقديم Gemini 3.6 Flash، في خطوة تعكس رغبتها في تسريع تطوير النماذج الأقل تكلفة والموجهة للبرمجة ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
لكن في الجانب الآخر، لا يزال Gemini 3.5 Pro، الذي يفترض أن يكون أحد أقوى نماذج غوغل، غائبًا عن الإطلاق العام، رغم أن الشركة قالت في يوليو إنه يخضع للاختبار مع شركاء وسيصل «قريبًا».
وهنا يبرز السؤال: لماذا تستطيع غوغل إطلاق نماذج Flash الواحد تلو الآخر، بينما يتأخر نموذج Pro الأكثر أهمية؟
الإجابة على الأرجح لا تتعلق بسبب واحد، بل بمجموعة من العوامل التقنية والتجارية والاستراتيجية.
ما الذي حدث مع Gemini 3.5 Pro؟
كانت التوقعات تشير إلى أن Gemini 3.5 Pro سيكون النموذج الذي تستخدمه غوغل لإثبات قدرتها على المنافسة في أعلى فئة من نماذج الذكاء الاصطناعي.
لكن تقريرًا نشرته رويترز في يوليو، نقلًا عن بلومبرغ، ذكر أن إطلاق النموذج أصبح متأخرًا عدة أشهر عن الجدول المتوقع، في الوقت الذي تعمل فيه غوغل على تحسين قدراته، وبشكل خاص أداء البرمجة. وأشار التقرير إلى أن النموذج لم يحقق بعض الأهداف الداخلية التي وضعتها الشركة لنفسها.
وهذه النقطة مهمة.
فالمشكلة ليست بالضرورة أن Gemini 3.5 Pro «لا يعمل»، وإنما أن غوغل قد لا ترى أن مستواه الحالي يبرر تقديمه باعتباره نموذجها الرائد في وقت أصبحت فيه المقارنات مع OpenAI وAnthropic شبه فورية بعد كل إطلاق جديد.
إطلاق نموذج قوي لكنه لا يقدم قفزة واضحة قد يتحول إلى نتيجة أسوأ من تأجيله.
لماذا البرمجة مهمة إلى هذه الدرجة؟
البرمجة أصبحت واحدة من أهم ساحات المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي.
لم تعد النماذج تستخدم فقط لكتابة بضعة أسطر من الشفرة، بل أصبحت تدخل في أنظمة تستطيع قراءة مشاريع برمجية كاملة، واكتشاف الأخطاء، وتشغيل الأدوات، وتعديل الملفات، واختبار الحلول وتنفيذ مهام قد تستمر عشرات الخطوات.
ولهذا تركز شركات مثل OpenAI وAnthropic وغوغل بشكل متزايد على قدرات البرمجة والـAI Agents.
وعندما تقول التقارير إن غوغل تعمل بصورة خاصة على تحسين أداء Gemini 3.5 Pro في البرمجة، فهذا يعني أنها تحاول تقوية النموذج في واحدة من أكثر المجالات تأثيرًا في السوق حاليًا.
في المقابل.. لماذا تطلق غوغل نماذج Flash بهذه السرعة؟
لأن الهدف من Flash مختلف قليلًا عن الهدف من Pro.
غوغل تصمم سلسلة Flash لتقديم توازن بين ثلاثة عناصر:
السرعة، والأداء، وانخفاض تكلفة التشغيل.
ففي يوليو أطلقت Gemini 3.6 Flash إلى جانب نماذج أخرى أخف، وروّجت لها باعتبارها مناسبة للأعمال التي تحتاج إلى معالجة كميات ضخمة من الطلبات ووكلاء الذكاء الاصطناعي والمهام المؤتمتة.
ثم جاء Gemini 3.7 Flash بعد ثلاثة أسابيع فقط، مع تركيز أكبر على كتابة البرمجيات وتصحيح الأخطاء وتنفيذ سير العمل متعدد الخطوات.
هذا يسمح لغوغل بتطوير المنتج تدريجيًا دون الحاجة إلى الادعاء في كل مرة بأنها أطلقت «أقوى نموذج في العالم».
أما Pro، فالتوقعات حوله أعلى بكثير.
هناك أيضًا حرب أسعار في الذكاء الاصطناعي
القوة ليست العامل الوحيد الذي يحدد نجاح نموذج ذكاء اصطناعي.
الشركات التي تبني تطبيقات تستخدم ملايين أو مليارات الرموز شهريًا تهتم أيضًا بسؤال بسيط للغاية:
كم سيكلف تشغيل النموذج؟
ولهذا كان أحد أبرز عناصر إطلاق Gemini 3.7 Flash هو السعر.
قدمت غوغل النموذج بسعر ترويجي يبدأ من 0.75 دولار لكل مليون رمز إدخال و3.75 دولارات لكل مليون رمز إخراج حتى نهاية 2026، أي ما يقارب نصف السعر الأصلي لـGemini 3.6 Flash وفق رويترز.
وبذلك تستطيع غوغل المنافسة في سوق مختلفة قليلًا عن سباق «من لديه أقوى نموذج؟».
إنها تريد أيضًا أن تصبح نماذج Gemini جزءًا من أكبر عدد ممكن من التطبيقات والخدمات والشركات.
نموذج أرخص قد يكون أهم تجاريًا من النموذج الأقوى
هناك حقيقة بدأت تتضح في سوق الذكاء الاصطناعي: معظم المهام لا تحتاج إلى أقوى نموذج موجود.
شركة تريد تصنيف رسائل، أو استخراج معلومات من آلاف المستندات، أو تشغيل خدمة عملاء، أو إنشاء وكيل ينفذ إجراءات متكررة، قد تفضل نموذجًا سريعًا ورخيصًا يحقق 90% من المطلوب بدل نموذج أكثر ذكاءً لكنه أبطأ وأغلى بكثير.
ولهذا تصف غوغل نماذج Flash بأنها مناسبة خصوصًا للعمليات واسعة النطاق.
حتى في مؤتمر Google I/O 2026، ركزت الشركة على أن نماذج Flash أصبحت قادرة على تقديم مستويات مرتفعة من الذكاء مع الحفاظ على السرعة والكفاءة.
من الناحية التجارية، قد يكون هذا السوق ضخمًا للغاية.
هل تحاول غوغل كسب الوقت حتى يصبح Gemini Pro أقوى؟
هذا احتمال منطقي، لكنه يبقى استنتاجًا وليس تفسيرًا رسميًا أعلنته غوغل.
إذا كان Gemini 3.5 Pro لم يصل بعد إلى الأهداف الداخلية في بعض المجالات، فإن استمرار إطلاق نماذج Flash يسمح لغوغل بالحفاظ على حضورها في السوق وعدم ترك عدة أشهر تمر دون منتجات جديدة.
وفي الوقت نفسه، تستطيع فرق DeepMind الاستمرار في تحسين Pro خلف الكواليس.
بمعنى آخر، يمكن لغوغل أن تكسب المستخدمين والمطورين عبر Flash بينما تستعد لمعركة مختلفة تمامًا باستخدام Pro.
إعادة ترتيب داخل Google DeepMind
تزامن تأخر Gemini Pro أيضًا مع تغييرات كبيرة داخل قيادة الذكاء الاصطناعي في ألفابت.
ففي أغسطس تغير الهيكل القيادي لـGoogle DeepMind، حيث انتقل ديميس هاسابيس بعيدًا عن الإدارة اليومية ليتولى دورًا أوسع كرئيس لـDeepMind وكبير علماء ألفابت، بينما انتقلت المسؤوليات التشغيلية بدرجة أكبر إلى كوراي كافوك أوغلو.
كما شهدت غوغل مغادرة عدد من الأسماء البارزة في أبحاث الذكاء الاصطناعي لتأسيس مشاريع جديدة.
ولا توجد أدلة على أن هذه التغييرات هي السبب المباشر وراء تأخر Gemini 3.5 Pro، لكنها تكشف عن مرحلة إعادة تنظيم مهمة داخل واحدة من أهم وحدات غوغل في وقت تحتدم فيه المنافسة.
غوغل تحت ضغط مختلف عن شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة
هناك أيضًا عامل آخر.
غوغل ليست شركة ذكاء اصطناعي فقط.
لديها محرك البحث وYouTube وAndroid وChrome وWorkspace وGoogle Cloud وعشرات المنتجات التي يستخدمها مليارات الأشخاص.
وهذا يعطيها أفضلية ضخمة في توزيع نماذج Gemini، لكنه يعني أيضًا أن إطلاق نموذج جديد يمكن أن يؤثر مباشرة في منتجات تجارية بالغة الأهمية.
لذلك قد تكون الشركة أكثر حذرًا عندما يتعلق الأمر بالنموذج الذي ستضع عليه تسمية Pro وتستخدمه أساسًا لمرحلتها التالية.
لماذا لا تنتظر غوغل وتطلق Gemini 4 مباشرة؟
المثير للاهتمام أن غوغل أكدت بالفعل أن العمل بدأ على Gemini 4، رغم أن Gemini 3.5 Pro لم يصل بعد إلى الإطلاق العام.
هذا ليس أمرًا غريبًا تمامًا في صناعة نماذج الذكاء الاصطناعي.
تدريب نموذج جديد يستغرق وقتًا طويلًا، لذلك تعمل الشركات عادة على أجيال متعددة بالتوازي: فريق يحسن النموذج الذي يقترب من الإطلاق، بينما يبدأ فريق آخر بالفعل تدريب الجيل التالي.
لكن ذلك يزيد الضغط على Gemini 3.5 Pro.
فكلما طال التأخير، تقل المسافة الزمنية بينه وبين الجيل التالي.
ماذا تريد غوغل فعليًا من Gemini 3.7 Flash؟
Gemini 3.7 Flash يكشف ربما بصورة أوضح عن استراتيجية غوغل الحالية.
الشركة لا تريد فقط الفوز في اختبارات الذكاء الاصطناعي، بل تريد أن تكون البنية التي تُبنى فوقها آلاف التطبيقات والوكلاء والخدمات.
ولهذا يتم التركيز على:
- البرمجة.
- استخدام الأدوات.
- الوكلاء المستقلين.
- المهام متعددة الخطوات.
- السرعة.
- انخفاض تكلفة التشغيل.
وهي عوامل قد تكون بالنسبة للشركات أهم من التفوق بفارق صغير في أحد اختبارات الذكاء الاصطناعي.
لكن Gemini 3.5 Pro يبقى الاختبار الحقيقي
يمكن لغوغل أن تطلق عددًا كبيرًا من نماذج Flash، لكن الأنظار ستبقى متجهة إلى Gemini 3.5 Pro.
ذلك لأن هذا النموذج سيجيب عن سؤال مختلف:
هل تستطيع غوغل العودة إلى مقدمة سباق أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي؟
Gemini 3.7 Flash يمكن أن يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا بسبب سرعته وسعره وقدرته على تشغيل الوكلاء.
لكن Pro هو النموذج الذي سيخضع للمقارنات المباشرة مع أفضل ما لدى OpenAI وAnthropic.
ولهذا ربما يكون تأخيره مفهومًا.
ففي سباق يتغير كل بضعة أسابيع، قد يكون إطلاق نموذج رائد قبل أن يصبح جاهزًا أكثر ضررًا من تأجيله بضعة أشهر.
وفي الوقت الحالي، يبدو أن غوغل اختارت الحل الوسط: تواصل إغراق السوق بنماذج Gemini الأسرع والأرخص، بينما تمنح نموذجها الأقوى مزيدًا من الوقت خلف الأبواب المغلقة.
ويبقى السؤال الذي لن نعرف إجابته إلا عند الإطلاق: هل سيجعل هذا التأخير Gemini 3.5 Pro منافسًا حقيقيًا على القمة، أم أن سرعة تطور المنافسين ستجعل غوغل تصل متأخرة مرة أخرى؟
