التصوير العلمي لم يعد يعتمد فقط على ما تلتقطه عدسة المجهر. مع دخول خوارزميات الذكاء الاصطناعي، باتت التكنولوجيا قادرة على تقليل التشويش، تحسين التفاصيل، واستنتاج أجزاء مفقودة من الصورة. هذا التحول أثار جدلاً واسعاً بعد فوز فيديو مجهري للمحاحث نينغ شو في مسابقة “نيكون العالم المصغر في الحركة” (Small World in Motion)، مما دفع باحثين للتشكيك في مدى دقة تمثيل الفيديو للواقع البيولوجي.
فيديو مجهري يثير الشكوك
عرض الفيديو الفائز الحركة غير الطبيعية لأهداب الممرات الهوائية المأخوذة من طفل مصاب بخلل الحركة الهدبية الأولي. وبعد إعلان الفوز، لاحظ خبراء التصوير المجهري ظهور تراكيب وسلوكيات يصعب تفسيرها بيولوجياً، مع عناصر تبدو وكأنها تختفي وتظهر فجأة.
أوضح الباحث لاحقاً أن الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم لتوليد الأهداب أو حركتها، بل استُخدم لاحقاً لمعالجة بيانات مجهرية رمادية، وإبراز تراكيب متشابهة، وتلوينها لتحسين العرض البصري. ومع ذلك، تسلط هذه الواقعة الضوء على شعرة معاوية الفاصلة بين “تحسين” الصورة و”اختلاق” تفاصيل غير موجودة.
أين يبدأ التحسين وأين ينتهي؟
تكمن المشكلة الجوهرية في قدرة الخوارزميات على إضافة تراكيب تبدو مقنعة جداً للعين البشرية لكنها لا تستند إلى قياسات تجريبية كافية. تحذر أبحاث التصوير الطبي الحديثة من ظاهرة “الهلوسة البصرية”، حيث تضيف خوارزميات استعادة الصور تفاصيل وهمية أو تحذف تراكيب حقيقية دون أن يلاحظ المراقب البشري الفرق.
على عكس التصوير الفني، ترتبط الصورة العلمية ببيانات تجريبية قابلة للفحص وإعادة التحقق. ولحماية هذه الموثوقية، بدأت مؤسسات علمية ومجلات محكمة مثل “جاما” (JAMA) و”نيتروع ميثودز” (Nature Methods) فرض إرشادات صارمة تتطلب:
- الإفصاح الشفاف عن أدوات المعالجة الرقمية والذكاء الاصطناعي المستخدمة.
- لاقتصار على التعديلات الموحدة للسطوع والتباين والألوان دون تغيير المعنى العلمي.
- توفير البيانات والصور الأصلية للمراجعة والتدقيق عند الحاجة.
عصر الصورة بحاجة إلى سجل منشأ
تمنع قواعد مسابقة “نيكون” استخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي وتحتفظ بحق طلب العمل الأصلي للتحقق، وهي تعيد حالياً مراجعة الوثائق التقنية للفيديو الفائز.
تؤكد هذه القضية أن التحدي الأكبر للذكاء الاصطناعي في العلوم ليس تجميل الصور، بل إنتاج مخرجات مقنعة لدرجة تضيع معها الحدود بين ما التقطته العدسة وما استنتجته الخوارزمية. وفي المستقبل القريب، قد يتطلب الأمر توثيق “سجل منشأ” لكل صورة علمية لتتبع كل بكسل عوداً إلى البيانات الخام والقياسات الحقيقية.



