صفقة نورد ستريم: أرباح أمريكية وعوائد روسية ومعارضة أوروبية
تفتح محادثات أمريكية روسية بشأن دخول مستثمر أمريكي إلى خطوط أنابيب “نورد ستريم” احتمالا لإعادة توزيع عوائد الغاز الروسي. وتهدف هذه الترتيبات المحتملة إلى استعادة موسكو جزءا من صادراتها، بينما يححصل مستثمرون أمريكيون على أرباح من البنية التحتية. في المقابل، يواجه المشروع معارضة أوروبية حادة تشكلت بعد أزمات الطاقة السابقة، بينما تثير عودته تساؤلات واسعة حول أسعار الغاز والمنافسة مع الصادرات الأمريكية والقطرية.
وفي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن مسؤولين أمريكيين وروسا، بينهم جاريد كوشنر وكيريل ديمترييف، ناقشوا مشاركة استثمارية أمريكية محتملة في المشروع. ورغم نفي البيت الأبيض وجود محادثات حديثة واستبعاد مسؤولين آخرين التوصل لاتفاق قريبا، يظل المشروع ضمن نطاق المحادثات الاستكشافية بعيداً عن التنفيذ الفعلي.
تضارب المصالح الأمريكية والأضرار التقنية
تبلغ الطاقة التصميمية الإجمالية لخطوط “نورد ستريم 1 و2” نحو 110 مليارات متر مكعب سنويا، تمتلك شركة “غازبروم” الروسية 51% من المشروع الأول وتسيطر على الثاني عبر شركة تابعة. غير أن انفجارات سبتمبر/أيلول 2022 أضرّت بثلاثة خطوط، بينما لم يُشغَّل الخط الرابع بعد.
هنا يظهر تضارب محتمل داخل المصالح الأمريكية؛ فبينما قد يحقق مستثمر أمريكي عوائد مالية من رسوم نقل أو توزيع أرباح الغاز الروسي، تواجه شركات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية منافسة إضافية في السوق الأوروبية.
أوروبا تتخلّى عن الاعتماد الروسي
تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي بشكل حاد من 152 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى 36 مليارا في 2025 (بانخفاض بلغ 76%)، بينما هبطت حصة روسيا من إجمالي الواردات من 45% إلى 12%.
وفي مايو/أيار 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية خطة “ريباور إي يو” لإنهاء الاعتماد على الوقود الروسي الذي بلغت تكلفته نحو 100 مليار يورو سنويا. ولم تعد المؤسسات الأوروبية تقيس تكلفة الغاز بسعر شرائه وحده، بل بمخاطر انقطاع الإمدادات، وتأمين البدائل، والدعم الحكومي. فعلى سبيل المثال، ضخت برلين 13.5 مليار يورو لإنقاذ شركة “يونيبر” الألمانية وحدها خلال أزمة الطاقة.
لهذا السبب، تعارض الحكومة الألمانية ومعظم دول شرق أوروبا إعادة تشغيل نورد ستريم، محذرين من أن الاتفاق المحتمل قد يكلف أوروبا ثمنا باهظا يتقاسمه الأمريكيون والروس.
التحول نحو الغاز المسال الأمريكي والقطري
رغم تقليص الإمدادات الروسية، لم تتخلص أوروبا من الاعتماد على الطاقة المستوردة، بل تحولت نحو الغاز الطبيعي المسال؛ إذ ارتفعت واردات أوروبا من الغاز المسال الأمريكي من 29.8 مليار متر مكعب في 2021 إلى 99.5 مليارا في 2025، لتستحوذ الولايات المتحدة على حصة بلغت 58%.
أما الغاز القطري، فقد شكّل 6% من واردات أوروبا من الغاز المسال في الربع الأول من 2026، وبلغت نسبته من واردات بعض الدول مثل إيطاليا 33% وبولندا 25%. ومع ذلك، واجهت الإمدادات الخليجية اضطرابات نتيجة صراعات الشرق الأوسط، مما دفع الأسعار الأوروبية للارتفاع وشجع على تحويل الشحنات نحو آسيا.
العقبة القانونية الأوروبية
أصبح التخلص من الغاز الروسي جزءا من إطار قانوني ملزم بموجب اللائحة الأوروبية 2026/261، التي تنص على حظر واردات الغاز المسال والمنقول بالأنابيب بموجب العقود طويلة الأجل اعتبارا من عام 2027. ويعني هذا التشريع أن دخول مستثمر أمريكي لن يغيّر مصدر الغاز أو يزيل الاعتراضات التنظيمية.
في النهاية، لا تتعلق معادلة إحياء “نورد ستريم” بمن سيقتسم عوائد الغاز وحده، بل بمن سيتحمل تكلفة الإصلاح ومخاطر الاعتماد على موسكو مجدداً. بالنسبة لأوروبا، قد تعني العودة إمدادات إضافية، لكنها تعني أيضاً العودة إلى نموذج دفعت ثمناً باهظاً للخروج منه.



