إعلان

أثار تطور صيني جديد في صناعة أشباه الموصلات موجة قلق واسعة في الأسواق العالمية، بعدما بدأت شركة مدعومة من الدولة في شنغهاي إنتاج أجهزة طباعة ضوئية متطورة من نوع Immersion DUV، وهي واحدة من أهم المعدات المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية.

الخبر كان كافيًا لإطلاق عمليات بيع قوية في أسهم شركات معدات أشباه الموصلات، وفي مقدمتها العملاق الهولندي ASML، الذي يعد اللاعب الأقوى عالميًا في تقنيات الطباعة الضوئية المستخدمة داخل مصانع الرقائق.

لكن أهمية الخبر تتجاوز حركة الأسهم اليومية؛ فالصين تحاول منذ سنوات التخلص من واحدة من أخطر نقاط الضعف في صناعتها التكنولوجية: الاعتماد على المعدات الغربية اللازمة لتصنيع الرقائق المتقدمة.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل نجحت بكين بالفعل في بناء بديل لـASML، أم أن الأسواق بالغت في تقدير حجم التهديد؟

من هي الشركة الصينية التي تقف وراء أجهزة DUV الجديدة؟

بدأت القصة في 27 يوليو 2026، عندما أفاد موقع The Information بأن شركة صينية مدعومة من الدولة ومقرها شنغهاي بدأت تصنيع أجهزة Immersion DUV Lithography محليًا.

إعلان

وفي اليوم التالي، كشفت رويترز هوية الشركة للمرة الأولى.

الشركة هي Shanghai Aishengna Electronic Technology Group، وهي شركة صينية غير معروفة على نطاق واسع، تأسست في أغسطس 2023 برأسمال مسجل يبلغ نحو 7 مليارات يوان، أي قرابة مليار دولار.

وتشير سجلات الشركات إلى أن Aishengna مدعومة من مساهمين مملوكين للدولة، هما Shanghai Electric Holding وشركة تابعة لـShanghai International Trust.

كما دمج المشروع خبرات وفرقًا من شركات صينية تعمل بالفعل على تقنيات الطباعة الضوئية، من بينها Shanghai Micro Electronics Equipment – SMEE وشركة Yuliangsheng المرتبطة بمنظومة SiCarrier المدعومة من هواوي.

وتستهدف الشركة الصينية تصنيع نحو 5 أجهزة خلال 2026، على أن يرتفع الإنتاج إلى قرابة 20 جهازًا خلال 2027. ومن المتوقع أن تتجه الأجهزة الأولى إلى شركات أشباه موصلات صينية كبرى مثل SMIC وHua Hong Semiconductor وCXMT.

وإذا نجحت تلك المصانع في تشغيل الأجهزة بصورة مستقرة، فإن الصين ستكون قد قطعت خطوة مهمة نحو تقليل اعتمادها على معدات الطباعة الضوئية المستوردة.

ما هي أجهزة DUV ولماذا تعد بهذه الأهمية؟

لفهم حجم التطور، يجب أولًا معرفة الدور الذي تلعبه أجهزة الطباعة الضوئية في صناعة الرقائق.

المعالجات الحديثة تحتوي على مليارات الترانزستورات شديدة الصغر، ويتم إنشاء الدوائر والأنماط التي تتكون منها الرقاقة عبر عملية تسمى Lithography أو الطباعة الضوئية.

ببساطة، تقوم آلة الطباعة بإسقاط نمط بالغ الدقة على سطح رقاقة السيليكون، بطريقة تشبه عملية طباعة صورة، لكن بمقاييس أصغر بملايين المرات.

ومن أهم التقنيات المستخدمة حاليًا تقنية Deep Ultraviolet Lithography – DUV.

أما أجهزة Immersion DUV فتضع طبقة رقيقة من الماء بين العدسة ورقاقة السيليكون، الأمر الذي يسمح بزيادة دقة تركيز الضوء وطباعة أنماط أصغر مقارنة بأنظمة DUV التقليدية.

ورغم أن DUV ليست أحدث تقنية متاحة عالميًا، فإنها لا تزال تمثل جزءًا أساسيًا من عمليات تصنيع عدد ضخم من الرقائق المستخدمة في السيارات والهواتف والخوادم والذاكرة والإلكترونيات الصناعية.

ويمكن دفع التقنية إلى مستويات تصنيع أكثر تقدمًا باستخدام أسلوب يعرف باسم Multiple Patterning، حيث يتم تعريض الطبقة نفسها عدة مرات للوصول إلى أنماط أصغر.

لكن هذه الطريقة تزيد عدد خطوات التصنيع والتكلفة واحتمالية حدوث الأخطاء مقارنة باستخدام أجهزة EUV الأكثر تطورًا.

وما الفرق بين DUV وEUV؟

هنا توجد نقطة جوهرية ربما تضيع وسط العناوين التي تتحدث عن «منافس صيني لـASML».

الصين لم تبدأ إنتاج جهاز ينافس أحدث تقنيات ASML.

أجهزة EUV أو Extreme Ultraviolet Lithography هي المستوى الأكثر تقدمًا بكثير، وتستخدم لطباعة أكثر الطبقات تعقيدًا في أحدث المعالجات.

وتعد ASML الشركة الوحيدة حاليًا القادرة على تصنيع أنظمة EUV تجاريًا وعلى نطاق واسع.

أما الأجهزة الصينية الجديدة فهي من فئة Immersion DUV الأقدم تقنيًا.

وتوضح ASML نفسها أن استخدام EUV يسمح بتقليل الحاجة إلى عمليات Multiple Patterning المعقدة التي تتطلبها تقنيات DUV عند تصنيع أكثر الدوائر تطورًا.

لذلك فإن القول إن الصين أصبحت الآن قادرة على منافسة ASML في أحدث تقنيات تصنيع الرقائق سيكون سابقًا لأوانه.

لكن الخبر يبقى مهمًا؛ لأن الصين تحاول إزالة إحدى أهم نقاط الاختناق في سلسلة تصنيع أشباه الموصلات الخاصة بها.

لماذا منعت الصين من شراء أحدث أجهزة ASML؟

تحولت معدات تصنيع أشباه الموصلات خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم ميادين الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

وتخشى واشنطن أن يؤدي وصول الصين إلى أحدث تقنيات تصنيع الرقائق إلى تسريع قدراتها في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والتطبيقات العسكرية.

ولهذا لم يُسمح للصين بالحصول على أجهزة EUV المتقدمة من ASML، كما فرضت هولندا قيودًا على تصدير بعض أجهزة DUV الأكثر تطورًا إلى الشركات الصينية.

بيد أن لهذه القيود نتيجة جانبية مهمة.

فكلما أصبح شراء المعدات الأجنبية أصعب، ازدادت أهمية بناء بدائل صينية محلية.

ولهذا ضخت بكين استثمارات ضخمة في شركات تصنيع معدات الرقائق المحلية، في محاولة لبناء سلسلة إنتاج تستطيع العمل حتى في حال تشديد العقوبات الغربية مستقبلًا.

ويظهر مشروع Aishengna كجزء من هذه الاستراتيجية.

لماذا انهارت أسهم ASML؟

لم ينتظر المستثمرون سنوات لمعرفة ما إذا كانت المعدات الصينية ستنجح.

فور انتشار الخبر، تعرض سهم ASML لعملية بيع قوية تجاوز انخفاضها 8% خلال جلسة الاثنين.

وتقدر رويترز Breakingviews أن موجة الهبوط محَت نحو 55 مليار يورو من القيمة السوقية لشركة ASML.

ولم تقتصر الضغوط على الشركة الهولندية، بل امتدت إلى عدد من شركات معدات أشباه الموصلات في أوروبا والولايات المتحدة.

سبب الخوف لا يتعلق بخمسة أجهزة DUV فقط.

السوق يحاول تقييم ما قد يحدث بعد خمس أو عشر سنوات.

فإذا استطاعت الصين بناء معدات الطباعة الضوئية محليًا، فإن المستثمرين يبدأون تلقائيًا بالسؤال عن الخطوة التالية: هل تستطيع الصين أيضًا استبدال المزيد من معدات الحفر والترسيب والفحص والقياس المستخدمة داخل مصانع الرقائق؟

لهذا تحول الخبر من تطور يخص شركة ASML وحدها إلى مصدر قلق لقطاع معدات أشباه الموصلات بأكمله.

لكن تحليل Reuters Breakingviews يرى أن رد فعل الأسواق ربما كان أكبر من الخطر التجاري المباشر؛ لأن الفارق التقني بين المعدات الصينية ومنتجات ASML لا يزال كبيرًا.

هل أصبحت ASML في خطر حقيقي؟

على المدى القصير، الإجابة هي: ليس بعد.

مصدر مطلع تحدث إلى رويترز أكد أن جهاز Aishengna لا يزال يحتاج إلى المزيد من الاختبارات، وأنه بعيد عن مطابقة أجهزة ASML المنافسة من حيث الأداء.

وهناك فرق كبير بين أن تنجح في تصنيع آلة DUV وبين أن تجعلها تعمل داخل مصنع رقائق على مدار الساعة بمستويات مرتفعة من الدقة والاعتمادية والإنتاجية.

وأشارت JPMorgan في مذكرة نقلتها رويترز إلى أن إنتاج عدد محدود من أجهزة Immersion DUV يختلف جذريًا عن تشغيلها في بيئة إنتاج تجاري ضخمة؛ حيث تصبح عوامل مثل yield والدقة بين الطبقات والسرعة والاعتمادية عبر آلاف الرقاقات هي الاختبار الحقيقي للتكنولوجيا.

كما تكشف أرقام ASML حجم الفارق الصناعي الحالي.

فخلال عام 2025 باعت الشركة 279 نظام DUV بمختلف فئاته، بالإضافة إلى الاعتراف بإيرادات 48 نظام EUV، بينما بلغت مبيعاتها الإجمالية نحو 32.7 مليار يورو.

في المقابل، يستهدف المشروع الصيني تصنيع خمسة أجهزة فقط خلال العام الحالي ونحو 20 جهازًا في 2027.

الأرقام ليست مقارنة مباشرة بين أجهزة متطابقة، لكنها تكشف حجم الفارق بين برنامج صيني في بداياته ومنظومة ASML الصناعية الراسخة.

الصين سوق مهمة جدًا لـASML

المفارقة أن الصين، رغم القيود الغربية، ما تزال واحدة من أهم أسواق ASML.

وبحسب رويترز، شكّلت الصين نحو 16% من صافي مبيعات الشركة خلال النصف الأول من 2026.

ولا تزال الشركات الصينية قادرة على شراء العديد من أجهزة DUV الأقل تطورًا والتي لا تخضع للقيود نفسها المفروضة على أحدث المعدات.

وهذا يعني أن ظهور بديل صيني محلي ناجح لا يهدد ASML فقط من ناحية المنافسة الدولية، بل قد يؤدي في البداية إلى تراجع اعتماد أحد أهم أسواقها على المعدات المستوردة.

ولهذا فإن الخطر الأكبر ربما لا يكون أن تبدأ Aishengna ببيع أجهزتها إلى TSMC أو Samsung غدًا.

الخطر الأقرب هو أن تبدأ المصانع الصينية تدريجيًا باستبدال جزء من مشترياتها من ASML بمعدات محلية.

هل تستطيع الصين إنتاج EUV أيضًا؟

هنا تبدأ المرحلة الأكثر حساسية في القصة.

فجهود الصين لا تقتصر على DUV.

كانت رويترز قد ذكرت سابقًا أن الصين تمكنت من بناء نموذج أولي محلي لجهاز EUV.

لكن وجود نموذج أولي لا يعني امتلاك آلة جاهزة للإنتاج التجاري.

ولا يزال المشروع بعيدًا عن المستوى المطلوب لتشغيل خطوط إنتاج ضخمة تستطيع منافسة ما تقدمه ASML اليوم.

وتعد EUV واحدة من أصعب التقنيات الصناعية التي تم تطويرها على الإطلاق، إذ تحتاج إلى منظومة شديدة التعقيد من مصادر الضوء والمرايا فائقة الدقة وأنظمة التحكم والقياس والبرمجيات والآلاف من المكونات المتخصصة.

ولهذا تؤكد المصادر التي تحدثت إلى رويترز أن المشروع الصيني لا يزال على بعد سنوات من مرحلة الإنتاج الفعلي.

لكن مجرد وجود برنامج صيني يعمل بالتوازي على DUV وEUV يوضح أن الهدف النهائي لبكين ليس تصنيع بعض المعدات القديمة، وإنما بناء منظومة مستقلة تستطيع بمرور الوقت تقليل نفوذ القيود الأميركية والأوروبية على صناعة الرقائق الصينية.

القيود الغربية قد تكون سرعت تطوير البدائل الصينية

المفارقة الأخرى في الحرب التكنولوجية هي أن القيود التي هدفت إلى إبطاء الصين أعطتها في الوقت نفسه سببًا اقتصاديًا واستراتيجيًا هائلًا لتسريع تطوير البدائل.

لو استطاعت الشركات الصينية شراء أحدث المعدات الأجنبية بلا قيود، فقد يكون تطوير جهاز محلي شديد التعقيد أقل جاذبية اقتصاديًا.

لكن عندما تصبح إمكانية شراء الجهاز أو الحصول على قطع غياره أو خدمات صيانته معرضة للقرارات السياسية، يتحول تطوير البديل المحلي إلى قضية أمن اقتصادي قومي.

وهنا لا تحتاج الآلة الصينية الأولى إلى أن تكون أفضل من ASML.

يكفي أن تكون جيدة بما يسمح لـSMIC أو CXMT باستخدامها، واكتشاف مشكلاتها، وجمع بيانات حقيقية من خطوط الإنتاج، ثم تطوير جيل ثانٍ وثالث ورابع منها.

وهذه الدورة المستمرة من الإنتاج والاختبار والتحسين هي ما قد يجعل التطور الحالي مهمًا على المدى الطويل.

هل بدأت نهاية احتكار ASML؟

الإجابة الأكثر دقة هي أن الحديث عن نهاية هيمنة ASML ما يزال مبكرًا جدًا.

الشركة الهولندية تتمتع بعقود من الخبرة، وشبكة واسعة من الموردين، ومنظومة متكاملة من البرمجيات والبصريات ومعدات القياس والصيانة والخدمات الهندسية.

كما أنها لا تزال صاحبة التفوق المطلق تقريبًا في EUV، وتعمل بالفعل على جيل أكثر تطورًا يعرف باسم High-NA EUV.

لذلك فإن خمسة أجهزة DUV صينية لن تغير موازين صناعة أشباه الموصلات خلال ليلة واحدة.

لكن ما تغير بالفعل هو الافتراض بأن الصين ستظل إلى أجل غير محدد عاجزة عن تصنيع هذه الفئة من المعدات بنفسها.

إذا نجحت الأجهزة الأولى، ثم ارتفع الإنتاج من 5 أجهزة إلى 20 ثم عشرات أو مئات الأجهزة سنويًا مع تحسن الأداء والاعتمادية، عندها ستبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الشركات الغربية.

وهنا تصبح السنوات المقبلة أكثر أهمية من الأرقام الحالية.

الصين لم تهزم ASML.. لكنها اقتربت خطوة

ما حدث لا يعني أن بكين أصبحت في مستوى ASML، ولا يعني أن الصين أصبحت قادرة فجأة على إنتاج أحدث معالجات العالم دون الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.

لكنه يمثل على الأرجح اختراقًا مهمًا في واحدة من أصعب حلقات سلسلة تصنيع أشباه الموصلات.

انتقلت الصين من مرحلة تطوير واختبار تقنيات DUV محلية إلى محاولة تصنيع أجهزة وتسليمها فعليًا إلى مصانع رقائق كبيرة.

وسيتحدد حجم الإنجاز الحقيقي عندما تبدأ SMIC وHua Hong وCXMT باختبار هذه الأنظمة داخل خطوط الإنتاج ويتضح مستوى السرعة والدقة والاعتمادية والعائد الإنتاجي الذي تستطيع تحقيقه.

بالنسبة إلى ASML، لا يبدو أن الخطر الفوري كبير.

لكن بالنسبة إلى صناعة الرقائق العالمية، الرسالة التي أرسلها الخبر أكثر أهمية:

الصين لا تحاول فقط الالتفاف على القيود الغربية، بل تعمل على إزالة نقاط الاختناق التكنولوجية التي منحت الغرب نفوذًا استثنائيًا على صناعة أشباه الموصلات.

وإذا نجحت في ذلك تدريجيًا، فقد لا تكون آلات DUV الصينية الحالية هي التي تغير موازين الصناعة، بل الأجيال التي ستأتي بعدها.

المصادر:

رويترز، Reuters Breakingviews، The Information، التقرير السنوي لشركة ASML لعام 2025، وإفصاحات ASML المتعلقة بتقنيات DUV وEUV.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version