إعلان

يكشف كتاب «الصندوق الأسود للحرب العظمى» للكاتب التركي أوميد ناجي يورولماز عن جغرافية العلاقات الألمانية العثمانية إبان عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م)، متتبعا تحولات الصناعات الدفاعية وشبكات الدبلوماسية والنفوذ حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918م).

استناداً إلى وثائق رسمية من أرشيفات ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والنمسا وتركيا، يوضح الكتاب أن السياسة الألمانية قبل الحرب العظمى شكلت النماذج الأولى لما يُعرف بـ «السياسة الخارجية الكروبية» (Kruppism)، نسبة إلى شركة “كروب” لصناعة السلاح.

تجارة السلاح أداة للهيمنة الخارجية

حوّل هذا النهج تجارة السلاح من نشاط اقتصادي بحت إلى أداة دبلوماسية تُرسخ النفوذ وتبني شبكات تبعية عسكرية وسياسية. وشكلت الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871م) نقطة تحول حاسمة؛ إذ أثبت السلاح البروسي تفوقه، لتصبح الصناعات العسكرية جزءاً لا يتجزأ من العقل السياسي الألماني وتوجهات القيصر فيلهلم الثاني.

وفي هذا السياق، يوضح البروفيسور حسام الدين إيناج، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة “كوتاهيا دوملوبينار” التركية، أن تغلغل ألمانيا في المجتمع العثماني أواخر عهده عبر الصناعة العسكرية كان واقعاً سياسياً وسوسيولوجياً. ويشير إلى أن المشهد يتكرر اليوم مع سعي تركيا لتوطين صناعتها الدفاعية في إفريقيا والشرق الأوسط والقوقاز عبر مبدأ “رابح-رابح” واحترام السيادة، بخلاف القوى الإمبريالية التي تسعى لاحتكار الدولة المستوردة وتجريدها من البدائل.

صفقات وامتيازات الآستانة وصراع الإرادات

كانت الإمبراطورية العثمانية مكتفية ذاتياً في مجال المعدات الدفاعية حتى أواسط القرن التاسع عشر، قبل أن تتحول إلى “سوق للسلاح” تتنافس فيها القوى الكبرى. وخرجت ألمانيا منتصرة في هذا التنافس عهد السلطان عبد الحميد الثاني، لعدم وجود مطامع استعمارية مباشرة لها مقارنة بغيرها.

إعلان

وقسّم الكتاب النفوذ الألماني إلى موجتين رئيسيتين:

  • الموجة الأولى (1881-1898م): قادها مستشار ألمانيا أوتو فون بسمارك والوفد العثماني، وتميزت بتأسيس علاقات وثيقة حتى دخول العثمانيين الحرب حلفاء لألمانيا.
  • الموجة الثانية (1898-1908م): قادها القيصر فيلهلم الثاني بعد إزاحته لبسمارك، واتسمت بضغط سياسي وزيارات ميدانية للشرق، وارتكزت على التقارب الشخصي بين السلطان والقيصر، وصولاً إلى خلع عبد الحميد الثاني عام 1909م بوساطة ضباط موالين لألمانيا.

وقد اعتمد السلطان عبد الحميد الثاني سياسة خارجية قائمة على “التقارب مع ألمانيا وفق ثقة مشروطة، والتقارب مع الآخرين بعين الريبة”.

هدايا القدس وتأجيج الصراع الفرنسي الألماني

استغل القيصر فيلهلم الثاني زيارته الثانية للشرق عام 1898م لترسيخ نفوذ بلاده، مهدداً النفوذ الفرنسي التقليدي. ومن أبرز شواهد ذلك، منحه قطعة أرض في جبل صهيون بالقدس (موقع رقاد مريم العذراء) للكاثوليك الألمان رغم احتجاج فرنسا التي كانت تعد نفسها الحامي الحصري لكاثوليك الدولة العثمانية.

توج القيصر جولته بخطاب دمشق الشهير عام 1898م مؤكداً صداقته للمسلمين، وهو ما جلب لألمانيا مناقصات سلاح كبرى ومشروعات سكك الحديد (الحجاز وبغداد)، لكنه انتهى في النهاية بتوريط السلطنة في أتون الحرب العالمية الأولى.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version