سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً في التداولات الأخيرة، لتسحق بذلك آمال المستثمرين الذين راهنوا على استمرار صعوده كأداة تحوط تقليدية. ونتيجة لذلك، هبط المعدن النفيس إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من شهرين، متأثراً بمعادلة اقتصادية معقدة تتشابك فيها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة مع السياسات النقدية المتشددة للبنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي).
قراءة في مؤشرات العقود الفورية والآجلة
في تفاصيل حركة الأسواق، انخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة بلغت 2.1% ليصل إلى 4172.44 دولار للأونصة، وهو المستوى الأدنى الذي يلامسه المعدن الأصفر منذ 23 مارس/آذار الماضي. وبالمثل، لم تكن العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس/آب بمعزل عن هذا التراجع، إذ انخفضت هي الأخرى بنسبة 2.1% لتستقر عند 4195.60 دولار للأونصة، وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وكالة “رويترز”.
علاوة على ذلك، امتدت موجة الهبوط الجماعي لتضرب أسواق المعادن النفيسة الأخرى؛ حيث خسرت الفضة في المعاملات الفورية نحو 2.1% من قيمتها لتسجل 63.99 دولار للأونصة. وفي الوقت نفسه، تلقى البلاتين ضربة أقوى بتراجعه بنسبة 3.1% ليصل إلى 1673.97 دولار، بينما أبدى البلاديوم تماسكاً نسبياً برغم انخفاضه الطفيف بنسبة 0.4% ليستقر عند 1217 دولاراً.
كيف عمق مضيق هرمز جراح الذهب؟
بناءً على التطورات الميدانية الأخيرة، شهدت منطقة الشرق الأوسط تجدداً خطيراً للمواجهات العسكرية، وهو الأمر الذي بدد الآمال الوردية في التوصل إلى تسوية دبلوماسية قريبة لإنهاء الحرب المستعرة منذ أواخر فبراير/شباط. وتأكيداً على ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن شن هجمات واسعة النطاق باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت قواعد أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، وجاءت هذه الخطوة رداً على ضربات أمريكية سابقة استهدفت مواقع إيرانية في محيط مضيق هرمز الإستراتيجي.
وفي هذا السياق، صرّح لقمان أوتونوجا، كبير محللي الأبحاث في مؤسسة (إف.إكس.تي.إم)، قائلاً: “لا يزال الذهب ضحية لتزايد مخاطر التضخم برغم أن التوتر الجيوسياسي يغذي العزوف عن المخاطرة في العادة. ومع ذلك، فإن تجدد الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران أدى فعلياً إلى تقويض الجهود الرامية لإنهاء الحرب، مما خلق بيئة اقتصادية مغايرة”.
مفارقة التضخم والفائدة: لماذا فشل الذهب في حماية المستثمرين؟
من الناحية الاقتصادية الكلاسيكية، يُنظر إلى الاستثمار في الذهب باعتباره الملاذ الآمن الأفضل للتحوط ضد التضخم وتآكل القيمة الشرائية للعملات. لكن، لماذا يفقد المعدن النفيس بريقه الآن برغم اشتعال الأزمات؟
تكمن الإجابة في “تكلفة الفرصة البديلة”. فالاضطرابات الجيوسياسية في مضيق هرمز تسببت فوراً في قفزة حادة لأسعار النفط الخام عالمياً، ومثل هذا الارتفاع في أسعار الطاقة يغذي المخاوف من حدوث تضخم هيكلي طويل الأمد. ونتيجة لذلك، تجد البنوك المركزية نفسها مجبرة على تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً عبر رفع أسعار الفائدة أو إبقائها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول كأداة لكبح جماح الأسعار.
وبما أن الذهب أصل مالي لا يدر عائداً دورياً (كالتوزيعات النقدية أو الفوائد التي تمنحها السندات والودائع)، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد من تكلفة حيازة الذهب، مما يدفع الصناديق الاستثمارية الكبرى إلى تسييل مراكزها في المعدن الأصفر والتوجه نحو أدوات الدين ذات العوائد المرتفعة والمضمونة.
رهانات الفيدرالي وبيانات التضخم المرتقبة
تتجه أنظار المستثمرين عالمياً نحو صدور بيانات أسعار المستهلكين (CPI) الأمريكية، تليها قراءة مؤشر أسعار المنتجين (PPI). وتكتسب هذه البيانات أهمية قصوى لتقييم التوجهات القادمة لمجلس الاحتياطي الاتحادي، خاصة بعد أن عزز تقرير الوظائف القوي الصادر الأسبوع الماضي الرهانات التي تشير إلى إمكانية رفع أسعار الفائدة مجدداً.
وفي هذا الصدد، أشار أحمد عسيري، استراتيجي الأسواق المالية في شبكة “Pepperstone”، إلى أن قرار الاستثمار في الذهب في الوقت الراهن بات شديد التعقيد، مما يفسر تفضيل غالبية المستثمرين للتريث ومراقبة السوق عن كثب. وتوقع عسيري أن يسجل التضخم مستويات تقارب 4.2%، وهو مستوى مرتفع للغاية مقارنة بالمستهدفات الرسمية البالغة 2%، الأمر الذي سيعزز بلا شك حالة الترقب والاضطراب في وول ستريت.
هل ينخفض الذهب إلى 3500 دولار؟
تكشف البيانات التاريخية أن الذهب فقد ما يتراوح بين 20% إلى 25% من ذروته السعرية منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط، مما يعلن رسمياً دخوله في مسار هابط (Bear Market). ومن هذا المنطلق، أصدر “سيتي بنك” مذكرة بحثية تشاؤمية حذر فيها من أن أسعار الذهب قد تتراجع بنحو 20% إضافية بحلول شهر سبتمبر المقبل.
وأوضح محللو البنك أن استمرار إغلاق مضيق هرمز خلال فصل الصيف سيؤدي إلى خسائر فادحة للمعدن النفيس برغم حمى التوترات الجيوسياسية، متوقعين إمكانية هبوط الأسعار إلى مستويات قياسية تقترب من 3500 دولار للأونصة. ويمثل هذا السيناريو انخفاضاً حاداً يقارب 19.7% مقارنة بمستويات 4357.9 دولار المسجلة في الآونة الأخيرة.
النصيحة الاستثمارية: أين تقع مستويات الدعم القادمة؟
وفقاً للتحليل الفني الذكي، يواجه الذهب حالياً صراعاً عنيفاً للحفاظ على مستويات الدعم الحالية حول 4200 دولار. ويرى الخبراء أن الاتجاه العام للأصول يميل بقوة نحو الهبوط.
وفي تحليل للمشهد، قال أحمد عسيري: “قد نرى الذهب يختبر مستوى 4100 دولار قريباً، لكن هذا المستوى لا يمثل خط دعم فني قوي نظرًا لكونه سُجل قبل 11 أسبوعاً ولم يختبر طويلاً. وبناءً على ذلك، فإن التراجع الإضافي سيقودنا حتماً نحو المستوى النفسي الهام عند 4000 دولار للأونصة، والذي يُعتقد أنه سيكون النقطة الأكثر جاذبية لدخول المشترين واقتناص الفرص”.
واختتم عسيري نصيحته الاستثمارية بالتأكيد على عدم جدوى “ملاحقة الاتجاه الهابط”، بل يجب على المستثمر الذكي إظهار الانضباط والانتظار حتى يستقر السوق وتتشكل مستويات بناء مراكز شرائية أكثر أماناً وعمقاً.
المصدر: رويترز + تقارير سيتي بنك وPepperstone.



