قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه يتحدى قوانين الطبيعة: الشمس تقترب من الأفق، لكنها بدل أن تختفي خلال دقائق، تبقى معلقة هناك لساعات، تغمر السماء بضوء ذهبي متواصل.
ثم يحدث شيء أكثر غرابة؛ فبعد أن تبدأ الشمس بالاختفاء، تبدو وكأنها تعكس اتجاهها وترتفع مجددًا فوق الأفق.
هذا بالضبط ما وثقته الطيارة الألمانية رايا كاتس (Raja Katz) من داخل قمرة القيادة أثناء رحلة جوية باتجاه الغرب فوق المحيط الأطلسي، في مقطع فيديو نشرته CNN بالعربية في 27 يوليو/تموز 2026. وقفت الشمس فعلًا عن الغروب؟
بالطبع لا.
ما حدث هو مثال مذهل على العلاقة بين سرعة الطائرة ودوران الأرض وخط العرض الذي تحلق عنده، حتى إن الطائرة يمكن في ظروف مناسبة أن تبدو وكأنها “تطارد الشمس”.
شاهد: الغروب الذي استمر لساعات
يظهر الفيديو المنشور عبر CNN العربية المشهد الذي وثقته كاتس خلال الرحلة، وتبلغ مدته نحو دقيقة و46 ثانية.
وبحسب روايتها، كانت الرحلة تتجه غربًا فوق المحيط الأطلسي على ارتفاع تراوح بين 36 ألفًا و42 ألف قدم، أي قرابة 11 إلى 13 كيلومترًا فوق سطح الأرض. ومع استمرار الرحلة بقيت الشمس قريبة من الأفق لفترة طويلة بصورة غير معتادة. زدادت سرعة الطائرة، بدا من قمرة القيادة كما لو أن الشمس التي كانت تغرب بدأت ترتفع من جديد.
من هي رايا كاتس؟
الاسم المستخدم في تقرير CNN العربية هو رايا كاتس، بينما يُكتب اسمها بالأحرف اللاتينية Raja Katz.
كاتس طيارة خطوط جوية ألمانية متخصصة في الرحلات طويلة المدى، ولديها أكثر من 12 عامًا من الخبرة على طائرات إيرباص، بينها عائلة A320 وطائرتا A330 وA350، وعملت في رحلات الركاب والشحن.
كما تعمل في صناعة المحتوى المتعلق بالطيران وتشغل منصب قيادة فريق ألمانيا في منظمة Elevate(her) Aviation المعنية بزيادة تمثيل النساء في قطاع الطيران. المشهد أكثر إثارة أن كاتس قالت إن الأمر لم يكن مخططًا له، بل ظهر أثناء رحلة عادية.
ما الذي حدث للطائرة بالضبط؟
لفهم المشهد، نحتاج أولًا إلى تذكر حقيقة بسيطة:
الأرض تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق.
وبسبب هذا الدوران تبدو لنا الشمس وكأنها تتحرك عبر السماء من الشرق نحو الغرب، قبل أن تختفي خلف الأفق.
تدور الأرض 360 درجة تقريبًا خلال 24 ساعة، أي ما يعادل نحو:
15 درجة من خطوط الطول في الساعة.
وهي العلاقة نفسها التي تقوم عليها فكرة المناطق الزمنية حول العالم. ة كاتس كانت تتحرك غربًا.
أي أنها كانت تتحرك في الاتجاه الذي تأتي منه الشمس الظاهرية عند الغروب.
وبعبارة أبسط:
بينما كانت الأرض تحمل موقع الراصد شرقًا بعيدًا عن ضوء الشمس، كانت الطائرة تتحرك غربًا محاولة البقاء داخل منطقة الضوء.
ولهذا يمكن وصف ما حدث بأنها كانت تطارد غروب الشمس.
كيف يمكن للطائرة أن تجعل الغروب يستمر لساعات؟
تخيل أنك واقف على الأرض وتشاهد الشمس وهي تقترب من الأفق.
إذا بقيت في مكانك، ستغرب الشمس بصورة طبيعية.
لكن إذا بدأت تتحرك غربًا، فإنك تنتقل باستمرار نحو المناطق التي لم تغرب فيها الشمس بعد.
كلما زادت سرعتك غربًا، أصبح غروب الشمس أبطأ بالنسبة إليك.
ويمكن تقسيم الأمر ببساطة إلى ثلاث حالات:
إذا كانت سرعة الطائرة أقل كثيرًا من السرعة المطلوبة:
ستغرب الشمس بصورة طبيعية، لكن الغروب قد يستغرق وقتًا أطول.
وإذا اقتربت سرعة الطائرة غربًا من السرعة المطلوبة:
ستبدو الشمس شبه ثابتة بالقرب من الأفق، وقد يستمر منظر الغروب فترة طويلة جدًا.
ولكن إذا تجاوزت الطائرة السرعة المطلوبة:
يمكن أن تبدأ الشمس بالارتفاع مجددًا بالنسبة للراصد داخل الطائرة.
وهذا هو الجزء الأكثر غرابة في فيديو كاتس.
لكن الأرض تدور بسرعة 1,674 كم/ساعة.. فكيف تلحق بها طائرة؟
هنا توجد نقطة شديدة الأهمية.
سرعة دوران سطح الأرض البالغة نحو 1,674 كيلومترًا في الساعة تنطبق تقريبًا عند خط الاستواء فقط.
وتوضح وكالة ناسا أن السرعة الخطية لسطح الأرض تقل كلما اتجهنا شمالًا أو جنوبًا نحو القطبين، لأن الدائرة التي يقطعها الموقع حول محور الأرض تصبح أصغر. ريب سرعة سطح الأرض عند خط عرض معين باستخدام المعادلة:
السرعة ≈ 1,674 × cos(خط العرض)
وبالتالي تصبح الأرقام التقريبية كالتالي:
| خط العرض | سرعة دوران سطح الأرض تقريبًا |
|---|---|
| 0° – خط الاستواء | 1,674 كم/س |
| 40° | 1,282 كم/س |
| 45° | 1,184 كم/س |
| 50° | 1,076 كم/س |
| 55° | 960 كم/س |
| 60° | 837 كم/س |
هذه الحسابات مبنية على العلاقة التي تستخدمها ناسا لحساب تغير السرعة الخطية مع خط العرض. أ قصة الفيديو بالاتضاح.
فوق خطوط العرض الشمالية المرتفعة، تنخفض السرعة التي يحتاجها الراصد للتحرك غربًا ومجاراة دوران الأرض إلى نطاق يمكن أن تقترب منه طائرة نفاثة حديثة.
وهل تستطيع طائرة ركاب فعل ذلك بالفعل؟
نعم، في الظروف المناسبة.
على سبيل المثال، تذكر شركة Airbus أن سرعة التحليق الاعتيادية لطائرة A350-1000 تصل إلى Mach 0.85، بينما تحلق A330neo عند نحو Mach 0.82. ملاحظة مهمة:
سرعة الطائرة بالنسبة للهواء ليست هي نفسها سرعتها بالنسبة للأرض.
فالرياح قد ترفع السرعة الأرضية أو تخفضها، كما أن اتجاه الرحلة قد لا يكون غربًا بشكل مثالي.
لذلك لا يمكننا اعتمادًا على الفيديو وحده القول إن طائرة كاتس تحركت بسرعة محددة مثل 900 أو 950 كم/ساعة في لحظة معينة.
نحتاج لذلك إلى بيانات الرحلة الفعلية: الموقع، خط العرض، الاتجاه، السرعة الأرضية، الرياح والتوقيت.
لكن من الناحية الفيزيائية، يصبح الأمر ممكنًا تمامًا عندما تجتمع سرعة غربية مناسبة مع خط عرض مرتفع نسبيًا.
لماذا بدت الشمس وكأنها أوقفت حركتها؟
يمكن تصور سطح الأرض عند الغروب وكأن هناك حدًا متحركًا يفصل المنطقة المضيئة عن المنطقة التي دخلت الليل.
ويُعرف هذا الحد باسم خط الفصل بين الليل والنهار أو Terminator.
الشخص الموجود على الأرض يعبر هذا الحد تدريجيًا، ولذلك يشاهد الشمس تغرب.
أما الطائرة المتجهة غربًا فتحاول في الوقت نفسه الابتعاد عن هذا الحد والبقاء داخل المنطقة المضيئة.
إذا اقترب معدل الحركة غربًا من معدل انتقال الغروب، تصبح الحركة النسبية بين الطائرة ومنطقة الغروب صغيرة للغاية.
وعندها قد تبدو الشمس وكأنها:
لا ترتفع ولا تنخفض تقريبًا.
وبالتالي يتحول غروب كان من المفترض أن يكون قصيرًا إلى مشهد ذهبي طويل قد يمتد لساعات.
وكيف عادت الشمس للارتفاع؟
هذا الجزء قد يبدو أكثر استحالة، لكنه في الواقع ناتج عن المبدأ نفسه.
لنفترض أن الشمس وصلت تقريبًا إلى الأفق.
إذا أصبحت الحركة الغربية للطائرة أسرع من الحركة اللازمة للحفاظ على موقع الشمس الظاهري، تبدأ الطائرة فعليًا بالدخول مجددًا نحو منطقة ما زال الوقت فيها أبكر.
وبالنسبة للراكب أو الطيار، ستكون النتيجة:
الشمس تنخفض → تتباطأ → تتوقف تقريبًا → ترتفع من جديد.
الشمس نفسها لم تغير اتجاهها.
والأرض لم تتوقف عن الدوران.
الذي تغير هو موقع الراصد بالنسبة إلى سطح الأرض والشمس.
بمعنى آخر، الطائرة لم تُعد الزمن إلى الوراء، لكنها تحركت جغرافيًا نحو منطقة يكون فيها “التوقيت الشمسي” أبكر.
وهل يمكن لطائرة أن تشاهد غروب الشمس مرتين؟
من حيث المبدأ نعم.
إذا شاهد راصد الشمس تختفي، ثم تحرك غربًا بسرعة كافية، يمكن أن تصبح الشمس ظاهرة فوق الأفق مجددًا.
بعد ذلك، إذا خفضت الطائرة سرعتها أو تغير اتجاهها، يمكن للشمس أن تغرب للمرة الثانية بالنسبة إلى الراصد.
والفكرة لا تختلف جذريًا عن السفر السريع بين المناطق الزمنية، إلا أن السرعة العالية للطائرة تسمح للراصد برؤية التأثير مباشرة في حركة الشمس نفسها.
هل ارتفاع 42 ألف قدم هو السبب؟
للارتفاع دور، لكنه ليس العامل الأساسي الذي جعل الغروب يستمر لساعات.
كلما ارتفع الراصد عن سطح الأرض استطاع رؤية مسافة أبعد بسبب انحناء الكوكب.
ولهذا يرى ركاب الطائرات الأفق على مسافة أبعد كثيرًا من شخص يقف على مستوى سطح البحر.
وبالتالي يستطيع الراصد على ارتفاع عشرات الآلاف من الأقدام رؤية الشمس فترة أطول قليلًا.
لكن هذا وحده لا يفسر غروبًا يمتد لساعات.
العامل الأهم في حالة كاتس هو الحركة غربًا ومقارنتها بالمعدل الظاهري لحركة الشمس.
هل عبارة “الطائرة طارت بسرعة دوران الأرض” دقيقة؟
هي صحيحة كطريقة مبسطة لشرح الفكرة، لكنها ليست دقيقة تمامًا من الناحية العلمية.
لا توجد سرعة واحدة لسطح الأرض يمكن تطبيقها على جميع الأماكن.
فكما أوضحنا:
عند خط الاستواء تبلغ السرعة نحو 1,674 كم/ساعة، بينما تنخفض إلى نحو 837 كم/ساعة عند خط عرض 60 درجة. عبير الأدق هو:
كانت المركبة تتحرك غربًا بسرعة جعلت حركتها الزاوية حول محور الأرض قريبة من معدل دوران الأرض عند موقع الرحلة، ما أبطأ الحركة الظاهرية للشمس بالنسبة إلى الطائرة.
كما تعتمد النتيجة الدقيقة على خط العرض والاتجاه والرياح وموقع الشمس والفصل من السنة.
هل المشهد الذي وثقته رايا كاتس ظاهرة نادرة؟
القانون الفيزيائي الذي يقف خلفه ليس نادرًا على الإطلاق.
إنه نتيجة مباشرة لدوران الأرض وحركة الراصد.
النادر نسبيًا هو اجتماع جميع الظروف المناسبة في وقت واحد:
- رحلة طويلة باتجاه الغرب.
- خط عرض مناسب.
- سرعة أرضية مناسبة.
- توقيت قريب من الغروب.
- سماء صافية وأفق مفتوح.
- استمرار الظروف لفترة كافية لملاحظة التأثير.
ولهذا قد يسافر شخص بالطائرة عشرات المرات غربًا من دون أن يرى المشهد بهذه الصورة الواضحة.
وهل يمكن أن يحدث الأمر على أي مكان في العالم؟
ليس بنفس السهولة.
قرب خط الاستواء، يحتاج الراصد إلى سرعة غربًا تقترب من 1,674 كم/ساعة حتى يعادل دوران سطح الأرض بالكامل، وهي أعلى بكثير من السرعات الأرضية المعتادة لطائرات الركاب دون سرعة الصوت.
لكن كلما اتجهنا نحو خطوط العرض الأعلى، تقل السرعة المطلوبة.
وهذا هو السبب في أن الرحلات التي تعبر أجزاء شمالية من الأطلسي يمكن، من حيث المبدأ، أن توفر ظروفًا أفضل لرؤية غروب طويل للغاية.
لكن من دون بيانات رحلة كاتس التفصيلية لا ينبغي تحديد خط عرض أو سرعة دقيقة لها اعتمادًا على الفيديو وحده.
تجربة بسيطة لفهم ما حدث
تخيل أن غروب الشمس يتحرك أمامك على طريق طويل.
أنت تقود سيارة خلفه.
إذا كانت الشمس “تبتعد” منك بسرعة 100 وأنت تتحرك بسرعة 50، فستظل تخسر المسافة وستغرب في النهاية.
إذا تحركت بسرعة 90، فسيصبح الغروب أبطأ بكثير.
وإذا وصلت إلى 100، ستبقى المسافة بينكما ثابتة تقريبًا.
وإذا أصبحت سرعتك 110، تبدأ باللحاق بمنطقة الضوء من جديد.
هذا تقريبًا ما حدث للطائرة، لكن على نطاق كوكبي.
الطائرة لم توقف الزمن.. بل طاردت الشمس
يبدو فيديو رايا كاتس وكأن الزمن قد توقف بالفعل.
غروب ذهبي يمتد لساعات، ثم شمس تبدو وكأنها تغير رأيها وتعود للارتفاع في السماء.
لكن وراء المشهد تفسير فيزيائي جميل وبسيط نسبيًا.
الأرض تدور شرقًا، والطائرة تتحرك غربًا.
ومع اقتراب سرعة الحركة الغربية للطائرة من المعدل المطلوب عند خط العرض الذي تحلق فيه، أصبح غروب الشمس أبطأ فأبطأ بالنسبة إلى من بداخلها.
وعندما أصبحت الحركة مناسبة بما يكفي، بدت الشمس شبه ثابتة.
ثم، مع تغير السرعة أو الظروف، أمكن أن تبدو وكأنها ترتفع مجددًا.
لم يتوقف الزمن.
ولم تعكس الشمس اتجاهها.
الطائرة فقط نجحت، لبضع ساعات، في مطاردة الغروب.
