سر بقاء “الهليون البحري” في البيئات المالحة
بينما تشكل الملوحة المرتفعة خطراً قاتلاً على معظم المحاصيل الزراعية، يزدهر نبات الساليكورنيا، المعروف بـ”الهليون البحري”، في المستنقعات الساحلية والسهول الطينية بتركيزات ملحية تتجاوز 12 ألف جزء في المليون (أكثر من 200 مليمول لكل لتر).
إلى جانب قيمته الغذائية كخضار طازج وبذوره الغنية بالزيوت، يمتلك هذا النبات إمكانيات هائلة لتغيير مستقبل الزراعة في عصر الجفاف. فقد نجح فريق بحثي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في فك شفرة جينومه، تمهيداً لتطوير أنظمة زراعية تقل فيها الحاجة إلى المياه العذبة.
كيف يتكيف الساليكورنيا مع الملوحة؟
تواجه النباتات العادية عند ارتفاع ملوحة التربة ما يُعرف بـ”الإجهاد الأسموزي”، حيث يعجز الجذور عن امتصاص الماء رغم رطوبة التربة، فضلاً عن اضطراب العمليات الخلوية بسبب تراكم أيونات الصوديوم.
في المقابل، يتبع الساليكورنيا إستراتيجية فريدة تعتمد على:
- الامتصاص والعزل: امتصاص الصوديوم وتخزينه داخل حجرات الخلية (الفجوات العصارية) بعيداً عن الأجزاء الحساسة.
- التكيف التركيبي: امتلاك أوراق مختزلة وأنسجة عصارية غنية بالماء للحد من الفاقد المائي.
- مستشعرات الإجهاد: آليات دقيقة لتنظيم حركة المياه والأيونات عبر الأغشية الخلوية استجابة للتغيرات الأسموزية.
دراسة جينومية شاملة في “كاوست”
نُشرت الدراسة في دورية “نيتشر كومينيكيشنز”، حيث استعان فريق البحث بقيادة الدكتورة فانيسا ميلينو بتقنيات التسلسل الجيني لإنشاء خرائط مرجعية عالية الجودة لجينومات 6 أنواع من الساليكورنيا. كما حلل الباحثون 318 عينة وراثية جُمعت من 13 دولة.
أظهرت التحليلات أن بعض السلالات -مثل “الساليكورنيا بيجيلوفي” في أمريكا الشمالية- شهدت تضاعفاً في حجم الجينوم نتيجة عمليات التهجين وتوسع العناصر الوراثية القافزة (الريتروترانسبوزونات). ونتج عن هذا التوسع سيقان أكثر سمكاً وبذور أكبر حجماً، مما يمنح النبات مرونة عالية للتعامل مع تفاوت ملوحة مياه الري بين المواسم المختلفة.
تطبيقات عملية نحو تدجين المحصول
يتطلب تحويل الساليكورنيا إلى محصول زراعي حديث تجاري تجاوز بعض الصفات البرية مثل تناثر البذور المبكر وبطء النضج. وتعمل أبحاث “كاوست” اللاحقة على تتبع هذه الصفات لإنتاج أصناف مخصصة لإنتاج الزيت النباتي، خصوصاً في الدول التي تعاني من شح المياه.
ويتيح التنوع الوراثي الواسع الذي جمعته الدراسة للمربين فرصة فريدة للتحسين الزراعي. فبدلاً من القيود التي تواجه محاصيل تقليدية كالقمح بسبب تضاؤل الأصول الوراثية، يبدأ تدجين الساليكورنيا بقاعدة جيومية غنية تسمح بانتقاء الصفات المرغوبة بكفاءة عالية لمواجهة التغيرات المناخية.
