أعاد تصريح للمؤرخ والدبلوماسي الفرنسي لويس بلان في مسجد باريس الكبير إحياء نقاش تاريخي استمر لأكثر من قرنين: هل كان نابليون بونابرت مسلماً؟ فعلى هامش محاضرة ألقاها، صرّح بلان بأنه “لا جدال في أن نابليون كان مسلما”، مما أثار جدلاً واسعاً قبل أن يعلن المسجد لاحقاً أنه لا رأي له في هذه المسألة المعقدة.
كتاب “نابليون والإسلام” وأطروحة المؤلف
يستند كتاب “نابليون والإسلام” للويس بلان، الصادر عن دار “إريك بونييه” في باريس، إلى مصادر أوروبية وعربية يرى المؤلف أنها أسيء تأويلها أو جرى تغييبها.
يتتبع الكتاب نشأة بونابرت في كورسيكا على ثقافة متوسطية منفتحة، وقراءاته المبكرة عن الشرق، وتأثره بترجمة كلود إتيان سافاري لمعاني القرآن الكريم على متن السفينة المتجهة إلى الإسكندرية. ومع ذلك، لا يذهب النقاد والمراجعون إلى أن نابليون اعتنق الإسلام تقليدياً، بل يصفونه بأنه “ربوبي” من أبناء عصر الأنوار — يؤمن بإله دون التزام بدين بعينه — مع وجود ميل شخصي لديه تجاه الإسلام مقارنة بالأديان الأخرى، دون أي تناقض في نظره بين ولادته وموته كاثوليكياً ونطقه بالشهادتين في القاهرة لأغراض سياسية.
أدلة الفريقين: بين التقارب السياسي والعنف الميداني
ينقسم المؤرخون والوثائق التاريخية حول طبيعة هذه العلاقة إلى اتجاهين:
- أدلة التقارب: تشير مراسلات نابليون، مثل رسالته لشيخ الإسكندرية محمد المسيري في أغسطس 1798، إلى رغبته في إقامة نظام مبني على القرآن. كما نقل مرافقه في منفاه، الجنرال غاسبار غورغو، عام 1817 إعجاب نابليون بدين النبي محمد باعتباره “أقل سخفا”.
- الأدلة المضادة: في المقابل، توجد شواهد تؤكد براغماتية نابليون المطلقة؛ فقد صرّح أمام مجلس الدولة عام 1800 بأنه صار كاثوليكياً في إقليم الفانديه ومسْلماً في مصر لكسب السكان. كما تؤكد وصيته عام 1821 وفاته على المذهب الكاثوليكي الروماني، إضافة إلى ممارساته الميدانية القاسية مثل قصف الجامع الأزهر وإعدام الأسرى العثمانيين في يافا عام 1799.
مواقف المؤرخين والجدل المعاصر
يتعامل كبار المؤرخين مع هذه الأطروحة بحذر سياسي وتاريخي:
- يرى المؤرخ هنري لورنس أن نابليون ومستشاره اقتنعوا بأن حكم الشرق يتطلب استخدام الإسلام سلاحاً سياسياً.
- يوضح جون تولان أن صورة النبي محمد لدى الكتاب الأوروبيين كانت مرآة لهمومهم، حيث رسم بونابرت صورة لمحمد تشبه طموحاته الخاصة.
- يرى آخرون مثل جان تولار أن الإمبراطور كان يعلم القرآن حقاً ويعجب بالنبي محمد بعيداً عن اتهامات النفاق المطلق.
بعد تداول مقطع المحاضرة على نطاق واسع، انقسم الشارع الثقافي والسياسي في فرنسا؛ فبينما هاجمته الدوائر اليمينية معتبرة الدين مجرد أداة سياسية بحتة لبونابرت، أكد مسجد باريس الكبير أن الأطروحة مبنية على وثائق تاريخية موثقة وتفتح باب النقاش حول تاريخ فرنسا وعلاقته التاريخية بالإسلام، محولةً السجال من التاريخ إلى السياسة المعاصرة في فرنسا.
