العالم القديم لن يعود، وهذا قد يكون أكبر خطأ إستراتيجي ترتكبه دول الخليج إذا تعاملت مع الاضطرابات الحالية باعتبارها مرحلة مؤقتة تسبق الاستقرار. الحقيقة أن الاضطراب نفسه أصبح جزءاً من النظام الإقليمي والدولي الجديد.
تتحرك المنطقة اليوم في مساحة واسعة تُعرف بـ”اللاحرب واللاسلم”؛ حيث تتواصل الهدنات والمفاوضات المتقطعة دون حرب شاملة أو تسوية سياسية نهائية، بينما تبقى الممرات البحرية عرضة للتعطيل المستمر. هذا الواقع يفرض تساؤلاً جوهرياً حول كيفية بناء نموذج اقتصادي قادر على الازدهار في منطقة قد لا تستعيد استقرارها السابق أبداً.
تداخل السياسة والاقتصاد وأزمة الممرات البحرية
طوال العقود الماضية، فصلت دول الخليج نسبياً بين الاقتصاد والأمن: تدير الدبلوماسية الأزمات، وتحمي المؤسسات العسكرية الحدود، بينما تواصل الموانئ وقطاعات الطاقة إدارة الاقتصاد. لكن الأزمات الأخيرة أضعفت هذا الفصل تماماً.
عندما تصبح ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب جزءاً من الصراع، تنتقل الأزمة فوراً إلى:
- أسعار الشحن وأقساط التأمين.
- أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
- قرارات المستثمرين وحسابات المخاطر.
لا تحتاج إيران إلى خوض حرب شاملة لفرض تكاليف إستراتيجية باهظة؛ ويكفي استخدام أدوات الضغط المتاحة—مثل الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيرة، وتهديد الملاحة، والقوى الحليفة—لرفع تكلفة تشغيل الاقتصاد الخليجي، وجعله أقل قابلية للتنبؤ.
من الحماية العسكرية إلى المناعة الاستراتيجية
أنفقت دول الخليج مبالغ طائلة على الحماية العسكرية، لكن الحروب الحديثة أثبتت أن امتلاك منظومات دفاع متطورة لا يحل المشكلة كاملة. اعتراض الصواريخ ممكن، لكن لا يمكن اعتراض ارتفاع أقساط التأمين أو حماية سلسلة إمداد تمتد آلاف الكيلومترات إذا أصبح الطريق البحري غير آمن.
لهذا السبب، لم يعد السؤال: كيف نحمي هرمز وباب المندب؟ بل أصبح: كيف نجعل الاقتصاد الخليجي أقل اعتماداً على بقاء الممرات البحرية مفتوحة طوال الوقت؟
يتطلب هذا التحول الانتقال من مفهوم “الحماية” (منع الصدمة) إلى مفهوم “المناعة الإستراتيجية” (استمرار الدولة في العمل فور وقوع الصدمة)، وذلك عبر:
- تطوير خطوط أنابيب طاقة بديلة وممرات لوجستية متعددة.
- بناء مخزونات إستراتيجية حيوية للغذاء والدواء والطاقة.
- ربط شبكات الكهرباء وحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية الرقمية.
- وضع خطط مشتركة لاستمرارية الأعمال والشحن.
عالم جديد وقواعد مختلفة
لا تقتصر التحديات على العلاقة مع إيران فحسب؛ فالنظام الدولي نفسه يشهد تحولات جذرية تتمثل في تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية، تسييس التجارة، وتحويل التكنولوجيا والطاقة والبيانات إلى أدوات قوة بامتياز.
إذا كان العصر السابق هو عصر “إدارة الوفرة”، فإن العصر الحالي هو عصر “إدارة المخاطر”. ولن يُقاس نجاح الدول بحجم احتياطياتها فحسب، بل بقدرتها على مواصلة العمل عندما تتعطل الممرات، وترتفع كلفة الجغرافيا، ويهتز العالم من حولها.
