مع تزايد حوادث اختراق نظم الذكاء الاصطناعي وانحرافها عن السيطرة، يبرز تساؤل قانوني معقد حول الجهة التي تحمل المسؤولية القانونية والمالية عن الأضرار الناتجة. وتتصدر الولايات المتحدة هذا الجدل نظراً لاحتضانها كبرى شركات التقنية وحدوث معظم الانتهاكات داخلها.
المسؤولية في الولايات المتحدة: بين القوانين الحالية وتدخل القضاء
تتباين الآراء داخل الإدارة الأمريكية بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي؛ إذ يرى مسؤولون مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت ومسؤول الذكاء الاصطناعي السابق في البيت الأبيض ديفيد ساكس أن القوانين الحالية كافية للتعامل مع هذه النزاعات. في المقابل، يذهب الرئيس دونالد ترمب وقوة “الذكاء الخارق” إلى ضرورة إفصاح الشركات عن الحوادث الأمنية، مع تدخل وزارة العدل مباشرة حال خروج النماذج عن السيطرة دون فرض قيود مسبقة معقدة.
ومع ذلك، يحذر خبراء القانون من أن غياب السوابق القضائية يضعف قدرة الحكومة الاتحادية على محاسبة وكلاء الذكاء الاصطناعي، خاصة أن السلوك النهائي للنموذج يتشكل بتفاعل مشترك بين المطور والمستخدم النهائي، مما يثير إشكالية تحديد من يتحمل الخطأ إذا طلب المستخدم أمراً عادياً فقامت النماذج بتنفيذ إجراءات غير قانونية.
ضغوط قطاع التأمين ومأزق الرؤساء التنفيذيين
تستعد شركات التأمين لمواجهة مطالبات بملايين الدولارات ناتجة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي. وأشارت بيانات شركة “أون” (AON) الأمريكية إلى وجود أكثر من 300 قضية قانونية محتملة تغطي الجرائم، والملكية الفكرية، والأمن السيبراني، وأخطاء التكنولوجيا.
ويرى محللون في قطاع التأمين أن رؤساء الشركات التنفيذيين -مثل سام ألتمان (رئيس أوبن إيه آي) وداريو أمودي (رئيس أنثروبيك)- قد تتحمل شركاتهم المسؤولية النهائية عن غياب السيطرة على نماذجهم، مما قد يسقط حقهم في التعويضات التأمينية عند مقاضاتهم، رغم أن هذه القضايا لم تُختبر بعد أمام المحاكم.
موقف الاتحاد الأوروبي: إحياء مقترحات المسؤولية
على الصعيد الأوروبي، ألغت المفوضية الأوروبية سابقاً خططاً لتشريع قوانين المسؤولية والتعويض عن أضرار الذكاء الاصطناعي بهدف تخفيف الأعباء التنظيمية عن الشركات. غير أن تصريحات لسام ألتمان في بودكاست “ديكودد” لموقع “بوليتكو”، والتي أكد فيها تحمل مطوري النماذج جزءاً من المسؤولية أثناء التدريب، دفعت البرلمانيين الأوروبيين للمطالبة بإعادة إحياء مقترح قانون المسؤولية الملغي.
يظل تحديد المسؤول عن أخطاء واختراقات الذكاء الاصطناعي غامضاً بسبب طبيعة التقنية المعقدة والتشابك بين أفعال المطورين والمستخدمين. وحتى يصدر القضاء أحكاماً نهائية تحسم هذه النزاعات، تبقى الحقوق والتعويضات للضحايا المتضررة معلقة بانتظار إرساء سوابق قضائية واضحة.



