حين نتأمل التفاصيل الدقيقة حولنا، تعمل آلاف الخلايا العصبية في أدمغتنا معاً لتحويل ما تراه أعيننا إلى صور ومفاهيم واضحة. طوال ثلاثة عقود، سادت فرضية علمية تفيد بأن قدرة الدماغ على معالجة المعلومات لها سقف نهائي، بسبب ما يُعرف بـ “الضوضاء العصبية”. لكن دراسة حديثة نُشرت في دورية “ساينس أدفانسز” قلبت هذه القناعات، مؤكدة أن شبكات الخلايا العصبية تزيد من قدرتها على تمثيل المعلومات كلما ازداد عدد خلاياها.
لغز الثلاثين عاما والضوضاء العصبية
الخلايا العصبية ليست رقائق حاسوبية معزولة، بل وحدات بيولوجية متصلة في بيئة كيميائية تجعلها عرضة للتأثر المتبادل. عندما تتعرض خلية لتقلبات عشوائية أو ضوضاء، تنتقل هذه التقلبات تلقائياً إلى الخلايا المجاورة.
لاختبار تأثير ذلك، أعاد فريق بقيادة هيدياكي شيمازاكي -الأستاذ المشارك بجامعة كيوتو- تحليل سجلات تجريبية لنحو 20 ألف خلية عصبية في القشرة البصرية لـ 5 فئران، وهي نموذج معتمد لفهم معالجة الصور في الثدييات. أظهرت النتائج أن الفئران تقع ضمن فئة “استمرار تزايد المعلومات”؛ فالضجيج المشترك يبطئ نمو المعلومات لكنه لا يوقفه.
كيف تتغلب أدمغتنا على التشويش؟
عند عرض الصورة نفسها عدة مرات، لا تستجيب الخلية العصبية بالطريقة ذاتها، وهو ما يُعرف بالتباين أو الضجيج العصبي. يتوزع هذا الضجيج في فضاء نشاط الخلايا وفق نظام رياضي يُسمى “ثبات المقياس”، مما يعني أن نمط الضجيج يتخذ الشكل نفسه في المجموعات الصغيرة والكبيرة من الخلايا.
يمكن تشبيه تدفق البيانات العصبية بشبكة طرق سريعة:
- المسارات الرئيسية: تشهد ازدحاماً وتذبذبات متنامية، لكن اتجاه هذه الضوضاء الكبيرة لا يتطابق تماماً مع اتجاه الإشارة البصرية.
- الحارات الجانبية (المسارات الهادئة): تمتلك الشبكة آلاف الحارات الهادئة التي تكاد تنعدم فيها الضوضاء وتتعامد هندسياً مع اتجاه الإشارة، مما يتيح مرور الإشارة البصرية بحرية ودون عوائق.
بفضل هذا التباعد الهندسي، تظل المنظومة العصبية قادرة على زيادة حصيلتها التراكمية من دقة التمييز الحسي كلما أُضيفت خلايا عصبية جديدة.
حدود القدرات العصبية
لا تعني هذه النتائج أن أدمغتنا تمتلك قدرات لا نهائية؛ فسعة المعالجة تظل محكومة بحواجز فيزيائية، مثل العدد المحدود للخلايا في الشبكية والقشرة البصرية.
يُشبه الباحثون هذا التأثير بدرج تصبح خطواته أكثر انخفاضاً مع الارتفاع، لكنها لا تتوقف أبداً؛ فالضجيج يجعل كل خلية إضافية تساهم بقدر أقل قليلاً، لكنه لا يمثل عائقاً مطلقاً يوقف معالجة البيانات.
تطبيقات واعدة
يحمل هذا الاكتشاف أبعاداً تطبيقية تتجاوز علم الأعصاب النظري لتشمل:
- الذكاء الاصطناعي: تقديم مخططات هندسية لتصميم خوارزميات تعلم آلي مقاومة للتشويش وقادرة على التوسع بكفاءة.
- التقنيات الطبية: تمهيد الطريق لتطوير واجهات الدماغ والحاسوب والأطراف العصبية التعويضية، عبر تدريبها على استخلاص الأنماط الحسية من المسارات الهادئة متجاوزة الضوضاء الكهربائية.
