استخدم الثوري الأمريكي الأسود مالكوم إكس في خطابه عام 1963 مصطلحي “زنجي المنزل” و”زنجي الحقل” كاستعارتين لانتقاد القادة السود الذين تماهوا مع السلطة البيضاء مقابل آخرين نشدوا تحرراً حقيقياً. ترتبط استعارة “زنجي المنزل” بفكرة “العم توم” الذي يتودد للأقوياء ويخون جماعته بحثاً عن مكسب شخصي. ولا تمثل هذه المصطلحات مجرد أقوال مأثورة، بل تتعلق بجوهر أفكار تحررية حددت المخيلة السياسية والأخلاقية للإنسانية.
الأصل الفلسفي لجدلية السيد والعبد
تعود جذور هذه الجدلية إلى فكرة هيغل عن “السيد والعبد” في كتابه “فينومينولوجيا الروح” (1807)، وتطورت عند فرانز فانون في “بشرة سوداء أقنعة بيضاء” (1952). يرى فانون أن العنصرية والهيمنة الاستعمارية ظاهرتان نفسيتان تلحقان الضرر بالنفس البشرية، وتولدان شعوراً داخلياً بالدونية يدفع المستعمَرين لتبني لغة المستعمر وثقافته وما أسماه “التبييض”.
وفي السياق ذاته، طرح و. ب. دوبوا في “أرواح الشعب الأسود” (1903) مفهوم “الوعي المزدوج”، حيث يرى الأسود نفسه بعين الأبيض المستعلي. وأكد فانون أن العنصرية تشوه علاقة الإنسان بذاته، مشدداً على ضرورة التحرر المتحدي من هذه الحالة النفسية.
من فانون إلى سعيد ونغوغي
طور إدوارد سعيد في “تمثيلات المثقف” (1993) هذه الأطروحة لتشمل المثقفين المغتربين الذين يُجندون كمنظرين أيديولوجيين للسلطة الإمبراطورية. وبدوره، دفع الكيني نغوغي وا ثيونغو في “تحرير العقل من الاستعمار” (1986) هذه الحدود عبر الدعوة لتحرير اللغة من الإرث الاستعمارى باعتبارها أساساً للثقافة والهوية.
الإمبراطوريات والمخبرون الأصليون
في كتابي “بشرة بنية أقنعة بيضاء” (2011)، نظرت في كيفية استبطان مشاعر الدونية العرقية في عصر العولمة الاستعمارية الجديدة، حيث يروّج بعض الأكاديميين والمثقفين المهاجرين لأنفسهم كمرتزقة فكريين. تستخدم القوى الإمبراطورية هذه الشخصيات لتشويه بلدانهم الأصلية وصناعة قبول عام للتدخلات العسكرية والاحتلالات، على غرار مبررات حرب العراق وما يُستحضر اليوم في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران.
ولاحقاً، قدم غلين شون كولثارد في “بشرة حمراء أقنعة بيضاء” (2014) طرداً مماثلاً بشأن سكان أمريكا الأصليين، رافضاً سياسات “الاعتراف” التي تقودها الدولة ومقترحاً العودة للتقاليد الأصلية وتقرير المصير.
تحتاج الإمبراطوريات دوماً إلى إقناع الأمم المُخضعة بدونية كينونتها لتذعن للقوى المهيمنة. وهنا يتحول “المخبرون الأصليون” في الجامعات الغربية إلى أداة لأسيادهم؛ إذ يتظاهرون بالتحدث باسم “الأصلي الصالح” للوشاية بغيرهم، وبصفتهم “عبيد البيت” يضفون شرعية على عبوديتهم، وكلما ازداد سعيهم لنيل رضا الأسياد، ازداد احتقار هؤلاء لهم في الواقع.



