العلاقة بين ارتفاع سعر النفط الخام وزيادة سعر الوقود عند المحطات يبدو بديهياً، لكن العلاقة بينهما أكثر تعقيداً وتمر بمراحل متعددة تجعل السعر النهائي حصيلة عوامل اقتصادية وتشغيلية وجيوسياسية مختلفة.
1. تكلفة النفط الخام وأسواق الأسعار
تبدأ الرحلة من أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية بناءً على العرض والطلب، حيث يُعد مؤشر “برنت” مرجعاً رئيسياً. لكن النفط الخام ليس وقوداً جاهزاً للاستهلاك (كالبنزين أو الديزل)، بل يحتاج إلى عمليات معالجة وتكرير، مما يشكل أول فارق أساسي بين سعر البرميل وسعر اللتر. وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مثلت تكلفة الخام نحو 51% فقط من متوسط سعر الديزل بالتجزئة بين عامي 2004 و2024، مما يفسر عدم تحرك سعر الوقود بنفس وتيرة تحرك النفط الخام دائماً.
2. دور المصافي وتكاليف التكرير
يتأثر السعر النهائي بما يُعرف بـ “فارق التكرير”، وهو مقياس للفارق بين سعر المنتجات المكررة وسعر الخام. ويعكس هذا الفارق تكاليف التشغيل، الطاقة، والصيانة، إلى جانب إنتاج مشتقات بترولية متعددة تختلف أسعارها.
كما تتأثر الإمدادات بحالة المصافي؛ فعندما تتعطل مصفاة أو تنخفض قدرتها التشغيلية تتراجع كميات الوقود المتاحة. على سبيل المثال، تراجعت كميات الخام التي عالجتها المصافي عالمياً إلى نحو 81.4 مليون برميل يومياً في أغسطس 2024 (بانخفاض 4.2 ملايين برميل عن العام السابق)، ومع تراجع صادرات المشتقات من مناطق رئيسية كالخليج، تقلص المعروض العالمي من الوقود.
3. النقل وسلاسل الإمداد والممرات البحرية
بعد خروج الوقود من المصفاة، تلعب سلاسل الإمداد دوراً حاسماً. تراجع المخزونات، تأخر الشحنات، تعطل خطوط النقل، وارتفاع تكاليف الشحن تؤدي إلى تفاعل الأسعار سريعاً مع أي صدمة في الإمدادات. وتبرز هنا أهمية الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره ملايين البراميل يومياً؛ إذ يؤدي أي اضطراب في الملاحة البحرية إلى تأثر تدفق الإمدادات وارتفاع الأسعار.
4. الضرائب والسياسات المحلية
عند وصول الوقود إلى السوق المحلي، تتدخل السياسات الحكومية لتحديد السعر النهائي. في أوروبا مثلاً، تشكل الضرائب نسبة كبيرة من سعر الوقود، بينما تعتمد دول أخرى سياسات الدعم لتخفيف أعباء ارتفاع الأسعار عن المستهلكين.
5. تقلبات الطلب والمواسم
لا تتوقف المعادلة عند جانب العرض فقط، بل يتأثر الطلب بالعوامل الموسمية؛ حيث ترتفع استهلاكات البنزين خلال موسم السفر الصيفي، بينما يرتفع الطلب على الديزل في الشتاء لأغراض التدفئة. كما أن الظروف الجوية القاسية قد تعطل الإمدادات وترفع الأسعار بمعزل عن حركة النفط الخام.
عند دفع ثمن الوقود عند المضخة، لا يتحمل المستهلك سعر النفط الخام فحسب، بل يدفع تكلفة متكاملة تشمل التكرير، النقل، سلاسل الإمداد، الممرات البحرية، الضرائب أو الدعم، وتقلبات العرض والطلب.
