إعلان

ما هي الكيرالية ولماذا تحير العلماء؟

تتكون الجزيئات الكيميائية من ذرات محددة، لكن بعضها يتشابه في التركيب ويختلف في الترتيب الفراغي ثلاثي الأبعاد، بحيث يكون أحد الجزيئين صورة مرآة للآخر. تسمى هذه الخاصية “الكيرالية” (Chirality)، وتشبه تماماً اليدين اليمنى واليسرى؛ فهما تتكونان من نفس الأجزاء لكنهما لا تتطابقان عند وضعهما فوق بعضهما.

رغم أن الجزيئات المرآتية تتطابق في خصائصها الفيزيائية الأساسية غالباً، فإن تفاعلها داخل الكائنات الحية يختلف جذرياً. على سبيل المثال، يمنح أحد شكلي جزيء “الكارفون” رائحة النعناع المنعشة، بينما يمنح الشكل الآخر رائحة الكراوية الدافئة، لأن مستقبلات الشم في أنوفنا تستجيب لكل شكل بطريقة مختلفة.

لويس باستير واكتشاف عدم تماثل الطبيعة

بدأت القصة الحديثة لهذه الظاهرة في ربيع عام 1848، عندما لاحظ العالم الفرنسي لويس باستير أن حمض الطرطريك المستخلص من العنب يؤثر على اتجاه الضوء، بينما لا يفعل توأمه (صورته في المرآة) ذلك. فرز باستير بلورات الملح يدوياً بحسب اتجاه وجوهها الصغيرة، واكتشف أن الحياة نفسها منحازة وتفضل شكلاً واحداً على الآخر؛ فمعظم الأحماض الأمينية والوحدات المكونة للحمض النووي في أجسامنا توجد في صورة مرآتية واحدة.

تجاهل هذه الخاصية قد يكون له ثمن باهظ في الصناعات الدوائية. فالتفاعلات الكيميائية التقليدية تنتج كلا الشكلين بنسب متساوية، وقد يمتلك أحد الشكلين التأثير العلاجي المطلوب بينما يكون الآخر ضعيف الفاعلية أو ساماً، كما حدث في كارثة مهدئ “الثاليدومايد” في الستينيات والذي تسبب في تشوهات خلقية بسبب أحد نسختي الجزيء.

دور العوامل الحفازة والتأثيرات اللاخطية

لفترة طويلة، اعتقد العلماء أن الحصول على ناتج غني بشكل مرآتي واحد يتطلب استخدام عامل حفاز فائق النقاوة بنسبة تطابق الناتج المطلوب. لكن الفرنسي هنري كاغان (جامعة باريس-سود) أثبت عكس ذلك في الثمانينيات.

إعلان

اكتشف كاغان ظاهرة “التأثيرات اللاخطية”، حيث أظهرت تجاربه أن استخدام عامل حفاز غير نقي تماماً يمكن أن ينتج مواد أنقى بكثير مما تتنبأ به القواعد التقليدية. وفي بعض التفاعلات، أدى استخدام حفاز بفارق طفيف في النسبة إلى إنتاج مركب بلغت نسبة أحد شكليه المرآتيين أكثر من 97%.

التحفيز الذاتي وتضخيم الفارق

جاء الاختراق الثاني على يد الياباني كينسو سواي (جامعة توكيو للعلوم)، الذي استكشف مفهوم “التحفيز الذاتي”، حيث يعمل الناتج الكيميائي كعامل حفاز لنفسه.

في تسعينيات القرن الماضي، نجح سواي في تطوير تفاعلات تبدأ بفارق ضئيل جداً بين الشكلين المرآتيين (مثل 51% إلى 49%)، ومع استمرار التفاعل وتضاعف الجزيئات، تضخم هذا الفارق تدريجياً حتى بلغت نسبة الشكل الغالب أكثر من 99.75%. أقدمت هذه التجارب على تفسير فرضية رياضية وضعها الفيزيائي تشارلز فرانك عام 1953 حول كيفية نشأة التماثل الأحادي في جزيئات الحياة الأولى.

من المختبر إلى الصيدلية والصناعة

توجت هذه الاكتشافات بفوز هنري كاغان وكينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء 2026. وتظهر التطبيق العملية لأبحاثهما في الصناعات التي تتعامل مع الكائنات الحية، مثل الأدوية، والمبيدات، والعطور، والمنكهات.

تعتمد أكثر من نصف الأدوية المستعملة سريرياً اليوم على جزيئات كيرالية؛ فدواء علاج حموضة المعدة الشهير “إيزوميبرازول” يعتمد تصنيعه الصناعي على تقنيات تحفيز متطورة مستمدة من أبحاث كاغان وسواي، والتي تمكن الصناعة الدوائية من إنتاج الشكل الفعال بدقة عالية وبتكلفة أقل، محاكية في ذلك دقة الطبيعة التي سعى إليها علماء العرب الأوائل كيعقوب الكندي وجابر بن حيان عبر التجربة والملاحظة قبل ألف عام.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version