انخفاض الرغبة الجنسية من أكثر الشكاوى شيوعًا في العيادات، لكنه لا يعني تلقائيًا وجود مرض. الفارق الأساسي بين “انخفاض طبيعي” و“اضطراب” ليس الرقم أو التكرار، بل الاستمرارية والأثر والضيق النفسي. فهم هذا الفارق يساعد على طمأنة من يحتاج للطمأنة، وتوجيه من يحتاج لتقييمٍ وعلاج.
أولًا: ما هي الرغبة الجنسية “الطبيعية”؟
الرغبة الجنسية ليست ثابتة ولا تعمل كزر تشغيل/إيقاف. هي نتاج تفاعل معقّد بين:
- عوامل بيولوجية: الهرمونات، الصحة العامة، الألم، النوم.
- عوامل نفسية: المزاج، القلق، صورة الجسد، الصدمات السابقة.
- عوامل علائقية/اجتماعية: جودة العلاقة، التواصل، الضغط اليومي، المعتقدات.
طبيعيًا قد تنخفض الرغبة في فترات:
- التوتر المهني أو العائلي، الحزن، الإرهاق المزمن، قلة النوم.
- الحمل وما بعد الولادة، الرضاعة، أو حول سن اليأس.
- تغيّر العلاقة (بداية/نهاية علاقة، نزاعات متكررة، روتين طويل).
- وجود ألم أثناء العلاقة أو جفاف مهبلي (عند النساء) أو ضعف انتصاب (عند الرجال) يجعل الدماغ يتجنّب التجربة.
الخلاصة: لا توجد “مستوى رغبة واحد” يصلح للجميع، ولا توجد “معادلة” تحدد الطبيعي بدقة. Mayo Clinic تلخّصها بفكرة واضحة: لا يوجد رقم سحري لتعريف انخفاض الرغبة؛ المهم هو ما إذا كان الأمر يزعجك أو يؤثر عليك.

ثانيًا: متى يُعد انخفاض الرغبة اضطرابًا؟
التعريف الطبي المبسّط
يُستخدم عالميًا توصيف اضطراب انخفاض الرغبة الجنسية (HSDD) أو ضمن تصنيفات أحدث مثل اضطراب الاهتمام/الاستثارة الجنسية لدى النساء. جوهر التعريف:
- انخفاض مستمر أو متكرر في الاهتمام/الرغبة.
- لمدة تقارب 6 أشهر أو أكثر.
- يرافقه ضيق نفسي واضح أو صعوبة علائقية مؤثرة.
- لا يفسَّر بشكل أفضل بمرضٍ آخر، أو دواء، أو مشكلة ألم/عنف/صراع حاد غير معالَج.
نقطة محورية: “الضيق النفسي” هو ما يفصل غالبًا بين اختلاف طبيعي في الرغبة وبين اضطراب يستحق التقييم.
مدى شيوع الحالة
تشير مراجعات وأبحاث حديثة إلى أن انخفاض الرغبة المسبب للضيق (HSDD) قد يؤثر تقريبًا على 10% من النساء و8% من الرجال. (هذه النسبة تقديرية وتتغير حسب التعريف المستخدم وأدوات القياس والفئة العمرية).
ثالثًا: لماذا تنخفض الرغبة؟
1) أسباب نفسية (Psychological)
- التوتر المزمن والإنهاك: يزيد الكورتيزول ويؤثر على دوائر المكافأة والانتباه الجنسي.
- الاكتئاب والقلق: قد يخفضان الدافعية واللذة عمومًا، ويقللان الخيال الجنسي.
- اضطراب ما بعد الصدمة أو تجارب مؤلمة سابقة.
- صورة الجسد المتدنية والخجل أو القلق من الأداء.
- مشكلات العلاقة: نزاع، برود عاطفي، ضعف تواصل، أو غياب الأمان.
2) أسباب عضوية/طبية (Organic)
- أمراض مزمنة: السكري، أمراض القلب والأوعية، الألم المزمن، أمراض التهابية.
- اضطرابات النوم (أرق/انقطاع النفس أثناء النوم).
- ألم أثناء الجماع أو التهابات/مشاكل الحوض (عند النساء) أو اضطرابات الانتصاب (عند الرجال).
- تعاطي الكحول، أو التدخين، أو بعض المخدرات.
3) أسباب هرمونية (Hormonal)
- اضطرابات الغدة الدرقية (قصور أو فرط).
- ارتفاع البرولاكتين.
- انخفاض هرمونات الجنس (التستوستيرون/الإستروجين) في سياقات محددة، خصوصًا بعد الولادة أو حول سن اليأس.
- تغيّرات ما بعد الولادة والرضاعة: تقلّبات هرمونية + إرهاق + تغيّر هوية/جسد.
4) أسباب دوائية (Medication-related)
- مضادات الاكتئاب (خصوصًا SSRIs/SNRIs) قد تؤثر على الرغبة والذروة.
- بعض أدوية الضغط، ومضادات الذهان، وبعض وسائل منع الحمل لدى فئة من النساء.
- أدوية أخرى قد تُضعف الطاقة أو تسبب جفافًا/ألمًا ينعكس على الرغبة.
تأثير التوتر والهرمونات: كيف تعمل الحلقة؟
التوتر لا “يقتل الرغبة” بشكل مباشر فقط؛ بل قد:
- يقلل النوم ويزيد الالتهاب والإرهاق.
- يرفع الكورتيزول ويضعف إشارات المتعة.
- يجعل الدماغ في وضع “نجاة” بدل “ارتباط/حميمية”.
ومن جهة الهرمونات، قد يتداخل:
- قصور الدرق: تعب، زيادة وزن، مزاج منخفض → رغبة أقل.
- انخفاض الإستروجين حول سن اليأس: جفاف/ألم → تجنّب العلاقة → رغبة أقل.
- انخفاض التستوستيرون لدى بعض الرجال أو النساء: قد يقلل الدافعية الجنسية، لكن العلاقة ليست خطية دائمًا.
كيف يؤثر ذلك على جودة الحياة؟
عندما يتحول انخفاض الرغبة إلى مصدر ضيق، قد تظهر:
- توتر علائقي، تجنّب الحميمية، سوء فهم متبادل.
- انخفاض تقدير الذات، شعور بالذنب أو “الخلل”.
- تزايد القلق من العلاقة أو من فقدان الشريك.
- تدهور المزاج والنوم، وربما دائرة مغلقة: قلق → تجنّب → توتر أكبر.
متى تصبح المشكلة تستحق تقييمًا؟
توصي مصادر طبية سريرية واضحة بأن زيارة الطبيب تصبح مناسبة عندما يكون انخفاض الرغبة مُقلقًا لك أو مؤثرًا على العلاقة—خصوصًا إذا طال أو تكرر.
NHS Inform تصيغها بوضوح: إذا كان انخفاض الرغبة يسبب ضيقًا أو يؤثر على العلاقة، فمن المناسب حجز موعد لمناقشة الأسباب والعلاجات الممكنة.
كما تشير Mayo Clinic إلى فكرة مشابهة: إذا استمر انخفاض الاهتمام أو عاد وتسبب بضيق، فقد تكون هناك حالة قابلة للعلاج وتستحق التقييم.
رابعًا: الأعراض التي قد تشير لاضطراب (وليس تذبذبًا طبيعيًا)
- غياب أو انخفاض واضح في الأفكار/الاهتمام الجنسي مقارنة بالمعتاد لديك.
- ضعف الاستجابة للمثيرات التي كانت تحفّزك سابقًا.
- تجنّب متكرر للحميمية بسبب ضيق أو نفور أو قلق.
- استمرار المشكلة 6 أشهر أو أكثر مع معاناة نفسية أو صراع علائقي.
خامسًا: كيف يتم التشخيص؟
التشخيص ليس “تحليلًا واحدًا”. بل هو تقييم شامل يتضمن:
- قصة طبية وجنسية دقيقة (بخصوص التوقيت، المدة، الظروف، الألم، العلاقة، المزاج).
- مراجعة الأدوية ونمط الحياة والنوم.
- فحص سريري عند الحاجة (خصوصًا إذا كان هناك ألم أو جفاف أو أعراض هرمونية).
- تحاليل موجهة: وظائف الغدة الدرقية، سكر، دهون، برولاكتين، وأحيانًا هرمونات الجنس حسب الحالة.
- أحيانًا أدوات تقييم معيارية تساعد الطبيب على قياس “الضيق” والوظيفة الجنسية.
هدف التشخيص: العثور على السبب الأكثر احتمالًا، لأن العلاج يتغير جذريًا من حالة لأخرى.
سادسًا: العلاج (حسب السبب)

1) العلاج غير الدوائي (الأساس في كثير من الحالات)
- تقليل التوتر: تنظيم النوم، نشاط بدني منتظم، إدارة وقت، تقنيات استرخاء.
- علاج نفسي/جنسي: علاج معرفي سلوكي، علاج صدمات، أو علاج جنسي متخصص، وأحيانًا علاج زوجي لتحسين التواصل وتقليل الضغط.
- علاج الألم أو الجفاف: تحسين الترطيب، علاج الالتهابات، وتقييم أسباب الألم.
2) تعديل الأدوية أو علاج الأمراض المصاحبة
- إذا كان السبب دواءً (مثل بعض مضادات الاكتئاب)، قد يقترح الطبيب تعديل الجرعة/النوع أو إضافة بدائل—ولا يُنصح بالتغيير الذاتي.
- علاج قصور الدرق، السكري، أو اضطرابات النوم قد ينعكس إيجابًا على الرغبة.
3) علاجات هرمونية/دوائية (تحت إشراف متخصص)
- علاج مشكلات سن اليأس (مثل الجفاف المؤلم) قد يعيد الراحة ويكسر دائرة التجنب.
- أدوية مخصصة لبعض حالات انخفاض الرغبة عند النساء وفق شروط معينة وتقييم مخاطر/فوائد.
- التستوستيرون قد يُبحث في حالات مختارة وتحت إشراف خبرة، وليس حلًا عامًا للجميع.
سابعًا: الوقاية وتقليل احتمالية تكرار المشكلة
- نوم كافٍ ومنتظم، وتقليل الشاشات ليلًا.
- نشاط بدني معتدل، وغذاء متوازن.
- معالجة التوتر قبل أن يصبح مزمنًا.
- تواصل صريح مع الشريك حول الاحتياجات والحدود دون لوم.
- طلب المساعدة مبكرًا إذا ظهر ألم أو أعراض اكتئاب/قلق.
تصحيح مفاهيم خاطئة شائعة
- “انخفاض الرغبة يعني عدم الحب”: غير صحيح؛ الرغبة تتأثر بعوامل كثيرة خارج العاطفة.
- “الرغبة يجب أن تكون متساوية دائمًا بين الشريكين”: اختلاف الرغبة شائع، والحل غالبًا في التفاهم وتنظيم الظروف.
- “المشكلة هرمونات فقط”: الهرمونات مهمة، لكن النفس والعلاقة والنوم والدواء قد تكون عوامل حاسمة.
- “هناك علاج سحري سريع للجميع”: العلاج فعّال عندما يكون مُفصّلًا على السبب.
متى يجب زيارة الطبيب؟

راجع/ي طبيب الأسرة أو طبيب النساء/المسالك أو مختص الصحة الجنسية إذا:
- استمر انخفاض الرغبة 6 أشهر أو أكثر.
- سبب لك ضيقًا نفسيًا أو أثر على علاقتك.
- ترافق مع ألم أثناء العلاقة، جفاف شديد، نزف غير معتاد، أو أعراض هرمونية واضحة.
- بدأ بعد دواء جديد أو مع تغيّر صحي ملحوظ.
- ترافق مع اكتئاب/قلق أو أفكار سلبية شديدة عن الذات.
أسئلة شائعة
هل انخفاض الرغبة الجنسية مع التوتر يعتبر طبيعيًا؟
نعم غالبًا، خاصة إذا كان مؤقتًا ويتحسن مع تحسن النوم وتخفيف الضغط. يصبح مقلقًا إذا طال، أو بدأ يسبب ضيقًا أو يؤثر على العلاقة.
كم مدة انخفاض الرغبة التي تستدعي تقييمًا طبيًا؟
كقاعدة عملية: إذا استمر الانخفاض غالبًا لمدة تقارب 6 أشهر أو أكثر، أو كان شديدًا ومزعجًا منذ البداية، فالتقييم مفيد.
هل مضادات الاكتئاب قد تسبب انخفاض الرغبة؟
قد يحدث ذلك مع بعض الأنواع. لا توقف الدواء بنفسك؛ ناقش الأمر مع طبيبك لإيجاد بدائل أو حلول.
هل انخفاض الرغبة بعد الولادة طبيعي؟
شائع جدًا بسبب الإرهاق، تغير الهرمونات، الرضاعة، وتبدّل نمط الحياة. إذا ترافق مع اكتئاب ما بعد الولادة أو استمر طويلًا مع ضيق واضح، يُنصح بالمراجعة.
هل فحص الهرمونات ضروري دائمًا؟
ليس دائمًا. الطبيب يقرر التحاليل بحسب الأعراض والعمر والأدوية والسياق الصحي، لأن أسبابًا كثيرة ليست هرمونية.
هل يمكن علاج اضطراب انخفاض الرغبة دون أدوية؟
في كثير من الحالات نعم: بتحسين النوم، تقليل التوتر، علاج نفسي/زوجي، ومعالجة الألم أو أسباب طبية أخرى. الأدوية تُبحث عندما تناسب الحالة وتحت إشراف مختص.
المراجع:
- Nature
- NHS Inform
- Mayo Clinic
- NCBI/StatPearls
