في مشهد يحمل دلالات رمزية عميقة تتجاوز البروتوكولات الرئاسية التقليدية، أحيا السوريون صباح اليوم، الثامن من ديسمبر/كانون الأول، ذكرى تحرير سوريا الأولى، وسط أجواء شعبية ورسمية مفعمة بمشاعر مختلطة بين الفرح بالخلاص والأمل بمستقبل مستقر. الحدث الأبرز تمثل في وصول الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى باحة المسجد الأموي الكبير وسط العاصمة دمشق، مرتدياً زيه العسكري الميداني، في خطوة قرأها مراقبون على أنها رسالة “جاهزية مستمرة”.
رمزية “البزة العسكرية” في قلب دمشق
لم يختر الشرع الظهور ببدلة رسمية مدنية في هذه المناسبة المفصلية، بل فضل ارتداء الزي العسكري الذي ارتبط في أذهان السوريين بمعارك “فجر تحرير سوريا” وإدارة العمليات التي أفضت إلى سقوط نظام الأسد.
ومن منبر المسجد الأموي، الذي طالما كان شاهداً على تحولات التاريخ السوري، وجه الشرع كلمة مقتضبة وحازمة، أكد فيها أن “الحفاظ على سوريا موحدة من شمالها إلى جنوبها هو أولوية لا تقل أهمية عن تحريرها”. وأشار محللون سياسيون إلى أن هذا الظهور يعكس فلسفة القيادة الحالية بأن “مرحلة الثورة قد انتهت عسكرياً، لكن حماية المكتسبات تتطلب انضباطاً وروحاً قتالية في ميادين البناء”.
احتفالات شعبية: من حماة إلى ساحة الأمويين
بالتوازي مع المشهد الرسمي، غصت ساحة الأمويين بآلاف المواطنين الذين توافدوا منذ ساعات الفجر الأولى. وبحسب تقديرات أولية، تجاوزت أعداد المحتفلين في دمشق وحدها حاجز الـ 200 ألف مواطن، رافعين أعلام الثورة السورية وشعارات تنادي بالوحدة الوطنية.
وفي السياق ذاته، شهدت مدينة حماة، التي كانت أولى المحطات الكبرى في معركة التحرير العام الماضي، احتفالات ضخمة استمرت لعدة أيام. يقول (م. خ)، وهو مدرس من حماة شارك في الاحتفالات: “اليوم نشعر أننا استعدنا هويتنا. قبل عام دخلت قوات التحرير مدينتنا، واليوم نحتفل ونحن نرى الأسواق تعود للحياة والمدارس تفتح أبوابها دون خوف من الاعتقال”.
تحديات ما بعد التحرير
رغم مظاهر الفرح، لا تخلو ذكرى تحرير سوريا من استحضار التحديات الجسيمة التي تواجه الدولة الناشئة. فبعد 13 عاماً من الحرب التي شنها النظام السابق، ورثت الحكومة الحالية تركة ثقيلة.
تشير الإحصائيات الاقتصادية الحديثة إلى:
- بدء تعافي الليرة السورية بشكل طفيف، حيث تحسن سعر الصرف بنسبة 15% مقارنة بالعام الماضي.
- عودة ما يقارب 120 ألف لاجئ بشكل طوعي من دول الجوار خلال الأشهر الستة الماضية.
- إطلاق 30 مشروعاً حيوياً لإعادة تأهيل البنى التحتية، خاصة في قطاعي الكهرباء والمياه.
هذه الأرقام، وإن كانت متواضعة مقارنة بحجم الدمار، إلا أنها تؤشر على بداية مسار التعافي الذي تسعى القيادة لتثبيته.
بين الشرعية الثورية وبناء الدولة
إن الانتقال من مرحلة “إسقاط النظام” إلى “بناء الدولة” يمثل الاختبار الحقيقي للرئيس أحمد الشرع. فبينما فر بشار الأسد إلى روسيا طاوياً صفحة حكم استبدادي طويل، يجد الشرع نفسه أمام استحقاق تحويل الشرعية العسكرية إلى شرعية دستورية ومؤسساتية.
ويرى خبراء في الشأن السوري أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:
- الاحتواء السياسي: دمج كافة أطياف المعارضة والمكونات المجتمعية في عملية صنع القرار.
- الأمن الاقتصادي: توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة للمواطن العادي.
- العلاقات الدولية: كسر العزلة وبناء شراكات متوازنة تعيد سوريا إلى الخارطة الإقليمية.
ختاماً، تبقى ذكرى تحرير سوريا يوماً فارقاً في تاريخ المنطقة، ليس فقط لأنه أنهى حقبة الأسد، بل لأنه وضع السوريين أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء وطنهم بسواعدهم، وهو ما عكسته كلمات الشرع ونبض الشارع اليوم.
