قد تتغير قواعد السفر إلى الفضاء جذريا خلال العقد المقبل، بفضل أبحاث جارية لتحويل الاندماج النووي من مصدر طاقة أرضي إلى محرك للمركبات الفضائية قادرة على بلوغ سرعات تفوق التقنيات الحالية أضعافا مضاعفة.
وتقود شركات مثل “بولسار فيوجن” البريطانية و”هيليسيتي سبيس” الأمريكية، إلى جانب جامعة برينستون، جهود تطوير محركات تعتمد على حصر البلازما وتوليد الدفع. وتخطط “بولسار فيوجن” لاختبار محركها في المدار بحلول عام 2027، وسط تقديرات بأن هذه التقنية قد تعيد صياغة مفاهيم السفر الفضائي خلال عقد من الزمن.
كيف تعمل محركات الاندماج النووي في الفضاء؟
الاندماج النووي هو العملية التي تتحد من خلالها نوى ذرية خفيفة لتكوين نواة أثقل وإطلاق طاقة هائلة، وهي نفس الطاقة التي تمد الشمس بالحرارة والنور.
في التطبيقات الفضائية، تكمن الميزة الكبرى في إمكانية استخدام البلازما الناتجة مباشرة لتوليد دفع مستمر. وعلى عكس الصواريخ الكيميائية التقليدية التي تعمل لفترات قصيرة، يتيح محرك الاندماج دفع المركبة لأشهر متواصلة، لتتراكم سرعتها تدريجيا وتصل إلى مئات أو آلاف الكيلومترات في الثانية نظريا.
مشاريع تجريبية وخطوات عملية
حققت شركة “بولسار فيوجن” تقدما بارزا عبر إنتاج البلازما لأول مرة داخل أحد محركات “صن بيرد”، من خلال حصر غاز الكريبتون بمجال كهرومغناطيسي. وتخطط الشركة مستقبلا لاستخدام وقود الديوتيريوم والهيليوم-3 لتوليد طاقة تدفع المركبة لسرعات تصل إلى نحو 529 ألف كيلومتر في الساعة، أي نحو 10 أضعاف سرعة المركبة “فوياجر-1″، مما قد يختصر رحلة المريخ التي تستغرق شهورا بالطرق التقليدية.
وفي جامعة برينستون، نجح نموذج أولي في الوصول ببلازما إلى حرارة 10 ملايين درجة مئوية، بينما يتطلب الاندماج الفعلي باستخدام الديوتيريوم والهيليوم-3 الوصول إلى نحو مليار درجة مئوية، وهو هدف قد يتحقق خلال 10 إلى 20 عاما مع توفر التمويل الكافي. من جهتها، تطور “هيليسيتي سبيس” محركا يعتمد على نبضات البلازما، طامحة لإطلاق نموذج أولي خلال 3 سنوات.
عقبات تقنية وتحديات قائمة
رغم الطموحات الكبيرة، يواجه الدفع الاندماجي عقبات هندسية معقدة تشمل:
- استقرار البلازما والتحكم فيها بدقة.
- قدرة جدران المحرك على تحمل درجات الحرارة الهائلة.
- تصغير منظومة الاندماج بما يناسب حمولات الإطلاق الفضائي.
يحذر العلماء من التفاؤل المفرط، مؤكدين أن التقنية تتطلب اختراعات علمية وهندسية إضافية. ولهذا السبب، تعمل وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) بالتوازي على تقنيات الانشطار النووي، وهي أقل سرعة من الاندماج لكنها أقرب للتطبيق العملي، تمهيدا لمستقبل قد تصبح فيه الرحلات بين الكواكب أسرع وأكثر كفاءة.
