اعتمدت أدق الساعات في العالم لعقود طويلة على انتقال الإلكترونات بين مستويات الطاقة داخل الذرات. لكن فريقاً دولياً نجح في تحقيق إنجاز غير مسبوق عبر تشغيل ساعة نووية بصرية تستخدم انتقالاً طاقياً داخل نواة الذرة نفسها كمرجع أساسي لضبط الزمن، وهو ما يمهد لجيل جديد من أدوات قياس الزمن واختبار القوانين الأساسية للطبيعة والبحث عن المادة المظلمة.
نُشِرت هذه الدراسة في دورية “نيتشر” (Nature)، حيث نجح الباحثون في تثبيت تردد ليزر بصورة مستمرة على انتقال طاقي داخل نظير الثوريوم-229. وعندما ينحرف تردد الليزر عن القيمة الصحيحة، ترصد الساعة هذا الانحراف وتصححه تلقائياً لتصبح النواة هي المرجع الأساسي للحفاظ على استقرارها.
كيف تعمل الساعة النووية؟
تشبه هذه الساعة في مبدئها الساعات الذرية التقليدية، لكن الفارق الجوهري هو اعتمادها على انتقال نادر داخل نواة الثوريوم-229 عند طول موجي يبلغ 148 نانومتراً، بدلاً من استخدام إلكترونات الذرة.
اختير هذا النظير لأن الانتقال داخل نواته منخفض الطاقة بشكل استثنائي ويمكن الوصول إليه بالليزر، إضافة إلى كون النواة أقل عرضة للاضطرابات الخارجية مقارنة بالإلكترونات. ولتطبيق ذلك عملياً، وضع الباحثون نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة من فلوريد الكالسيوم عند درجة حرارة الغرفة، ومرروا عبرها ليزراً من الأشعة فوق البنفسجية العميقة. وعند حيود تردد الليزر عن التردد النووي، تتغير استجابة النوى لتعيد الليزر تلقائياً إلى وضعه الصحيح.
ولتقييم أداء النظام، قارن الباحثون ساعة الثوريوم بساعة بصرية تعتمد على أيون الإيتربيوم. استمرت ساعة الثوريوم بالعمل متواصلة لنحو يوم كامل، وبلغ عدم استقرار ترددها قرابة جزء واحد في ألف تريليون، مما يثبت كفاءة النظام كمرجع عملي يعمل بنظام تصحيح مستمر.
التطبيقات المتقدمة: البحث عن المادة المظلمة
تفتح هذه التكنولوجيا آفاقاً واسعة في الفيزياء الفلكية، أبرزها البحث عن المادة المظلمة. تفترض بعض النظريات وجود جسيمات أو حقول فائقة الخفة تُحدث تغيرات دورية متناهية الصغر في الثوابت الأساسية للطبيعة، والتي قد تظهر على شكل اهتزازات طفيفة في تردد الساعة.
خلال مقارنة استمرت نحو 23 ساعة بين ساعة الثوريوم وساعة الإيتربيوم، لم يجد الباحثون إشارة ذات دلالة إحصائية على المادة المظلمة، لكن هذا العدم أتاح وضع حدود جديدة على قوة تفاعل بعض أشكال المادة المظلمة مع المادة العادية. وأظهرت النتائج تفوق ساعة الثوريوم في اختبار تفاعل المادة المظلمة مع الضوء، بينما تحسنت الحدود السابقة بنحو 100 إلى 1000 مرة في بعض السيناريوهات المرتبطة بالقوة النووية الشديدة وكتل الكواركات.
التحديات المستقبلية
رغم هذا النجاح، لا تزال الساعة في مراحلها المبكرة. فقد لاحظ الباحثون تبايناً طفيفاً في القياسات عبر الأيام المختلفة نتيجة اختلافات مجهرية داخل البلورة تؤثر على تردد الانتقال النووي. كما أن التجربة الحالية استمرت لأقل من يوم، ما يمنع رصد التغيرات طويلة الأمد. ويعمل العلماء حالياً على تطوير أنظمة الليزر وتحسين جودة البلورات لرفع كفاءة الساعة وقدراتها البحثية بشكل كبير مستقبلاً.



