تخيل موقف سيارات عاديًا في نهاية يوم مزدحم.
سيارات حمراء وزرقاء وبيضاء وسوداء موزعة هنا وهناك. سيارة صغيرة تقف بجوار أخرى ضخمة، مركبة قديمة بجانب واحدة حديثة، ولا يبدو في المشهد للوهلة الأولى أي منطق بصري واضح.
ثم يأتي شخص ويعيد ترتيب السيارات كلها.
الأحمر في صف واحد، ثم الأزرق، ثم الأبيض. السيارات الصغيرة معًا، والكبيرة معًا. فجأة يصبح المشهد نظيفًا، مفهومًا ومريحًا للعين.
لكن هنا يظهر سؤال أكثر إثارة من الصورة نفسها:
هل أصبح موقف السيارات أكثر نظامًا فعلًا، أم أننا استبدلنا نظامًا لم نكن نراه بنظام أسهل على أدمغتنا أن تفهمه؟
هذا تقريبًا هو الباب الذي يفتحه الفنان والكوميدي السويسري Ursus Wehrli في مشروعه الشهير The Art of Clean Up.
Wehrli يأخذ مشاهد من الحياة اليومية، وأحيانًا أعمالًا فنية شهيرة، ثم يفكك عناصرها ويعيد ترتيبها وفق قواعد صارمة: اللون، الحجم، الشكل أو النوع.
حساء الحروف يتحول إلى أبجدية منظمة. الكرات الملونة تُفصل بحسب ألوانها. السيارات يعاد توزيعها. وحتى لوحات الفن الحديث يمكن تفكيكها وإعادة عناصرها إلى صفوف ومجموعات دقيقة.
النتيجة طريفة ومريحة بصريًا، لكنها تحمل سؤالًا أعمق بكثير:
لماذا يشعر الإنسان بهذه الراحة عندما يرى الأشياء مرتبة؟
Ursus Wehrli لا يريد القضاء على الفوضى
قد يبدو من أعمال Wehrli أنه رجل يخوض حربًا ضد الفوضى، لكن هذا ليس ما يقوله عن مشروعه.
عندما سُئل عن الرسالة التي يريد إيصالها، أوضح أنه لا يحب أن يعمل وهو يحمل هدفًا أو وعظًا محددًا، وإنما يستمتع بتغيير زاوية النظر إلى الأشياء. وبالنسبة إليه، العالم يحتاج إلى الفوضى والنظام معًا، وما نراه فوضويًا قد يكون في حد ذاته شكلًا آخر من أشكال النظام.
وفي حديث آخر عن بداية الفكرة، روى Wehrli أنه كان يقف أمام عمل للفنان السويسري Jean Tinguely وتخيل عاملة تنظيف تدخل الاستوديو. تساءل: كيف ستعرف أين تنتهي الفوضى ويبدأ العمل الفني؟ وماذا لو قامت بتنظيف كل شيء، بما في ذلك الفن نفسه؟
هذه النكتة تختصر جزءًا كبيرًا من مشروعه.
فإذا كان ترتيب الأشياء يعني دائمًا تحسينها، فلماذا يمكن للترتيب الكامل أن يدمر لوحة فنية؟
الجواب هو أن النظام ليس قيمة مستقلة عن السياق.
ربما لم يكن المشهد فوضويًا أصلًا
لنعد إلى موقف السيارات.
قبل أن يعيد Wehrli ترتيب السيارات بحسب اللون، ربما بدا المشهد عشوائيًا. لكن موقف السيارات لم يكن بلا نظام.
كل سيارة وصلت في وقت مختلف. كل سائق اختار مساحة متاحة. هناك مداخل ومخارج وقواعد للحركة ومساحات لذوي الاحتياجات وممرات يجب إبقاؤها مفتوحة.
بمعنى آخر، كان هناك نظام بالفعل. لكن هذا النظام لم يكن نظامًا بصريًا. وعندما أعدنا ترتيب السيارات حسب اللون، لم ننتقل بالضرورة من الفوضى إلى النظام.
انتقلنا من:
نظام وظيفي معقد
إلى:
نظام بصري بسيط.
وهنا تكمن واحدة من أكثر الأفكار إثارة في مشروع Wehrli:
الشيء نفسه يمكن أن يكون مرتبًا وفق قاعدة، وفوضويًا وفق قاعدة أخرى.
المكتبة مثلًا يمكن ترتيبها أبجديًا، أو حسب اللون، أو الموضوع، أو الكاتب، أو سنة النشر.
لا يوجد ترتيب واحد يمتلك الحقيقة المطلقة. كل نظام يجيب عن سؤال مختلف.
لماذا يحب دماغنا الأنماط؟
ميلنا إلى النظام ليس مجرد مسألة ذوق.
الدماغ البشري يبحث باستمرار عن الأنماط والعلاقات لأنه يحتاج إلى جعل البيئة المحيطة به قابلة للفهم والتوقع.
ولهذا تظهر في علم النفس فكرة تُعرف باسم الحاجة إلى الإغلاق المعرفي أو Need for Cognitive Closure.
وتشير إلى رغبة الإنسان في الوصول إلى إجابة واضحة بدل البقاء طويلًا في حالة من الغموض وعدم اليقين. وقد ربطت الدراسات هذه النزعة بالرغبة في القدرة على التنبؤ، وتفضيل النظام والبنية، وعدم الارتياح تجاه الغموض.
وهذا لا يعني أن كل من يحب المكتب المرتب يخاف من الغموض.
لكن على مستوى أوسع، هناك سبب يجعل عبارة مثل:
“الآن فهمت.”
مريحة نفسيًا.
الفهم يقلل عدد الاحتمالات التي يجب على العقل أن يتعامل معها.
والتصنيف يفعل شيئًا مشابهًا.
عندما نقسم الأشياء إلى مجموعات، يصبح العالم أقل تكلفة معرفيًا.
هذا طعام.
وهذا خطر.
وهذا صديق.
وهذا عدو.
وهذا فن.
وهذا فوضى.
لكن المشكلة تبدأ حين ننسى أن هذه التصنيفات أدوات صنعناها نحن، وليست دائمًا خصائص مطلقة للأشياء نفسها.
هل النظام يمنحنا الفهم… أم وهم الفهم؟
هنا تأخذ الفكرة منحى أكثر فلسفية. عندما نرتب الأشياء، نشعر أننا فهمناها. لكن هل هذا صحيح دائمًا؟
تخيل أنك تأخذ مكتبة شخص ما وتعيد ترتيب كل الكتب حسب ألوان الأغلفة. بصريًا ستصبح مذهلة.
لكن إذا جاء صاحب المكتبة يبحث عن كتاب في الفيزياء، سيكتشف أن النظام الجديد جميل ولكنه عديم الفائدة بالنسبة إليه.
أنت لم تفهم مكتبته أكثر. أنت فقط فرضت عليها نظامًا يناسب عينك.
وهذه مشكلة يمكن أن تظهر في مجالات أكبر بكثير.
نحن نفعل الشيء نفسه مع البشر، والأفكار، والثقافات، وحتى التاريخ.
نضع الأشياء في صناديق.
يمين ويسار.
ناجح وفاشل.
حديث وتقليدي.
عقلاني وعاطفي.
ثم تمنحنا هذه الصناديق شعورًا بأن العالم أصبح مفهومًا. لكن الواقع عادة أكثر تعقيدًا من التصنيف الذي وضعناه له. لذلك ربما يكون النظام في بعض الأحيان أداة للفهم.
وفي أحيان أخرى قد يكون مجرد طريقة لتقليل قلقنا أمام التعقيد.
لماذا لا نحب النظام الكامل دائمًا؟
لو كان دماغ الإنسان يعشق النظام ببساطة، لكان أجمل لحن في العالم نغمة واحدة متكررة بلا نهاية. ولكانت أجمل لوحة لونًا واحدًا. ولكانت أجمل مدينة شوارع متطابقة ومبانٍ متساوية تمامًا. لكننا لا نعيش الجمال بهذه الطريقة.
تشير أبحاث في علم الجمال إلى أن العلاقة بين التعقيد والمتعة ليست بالضرورة علاقة بسيطة. إحدى الدراسات التي تناولت التعقيد من منظور قابلية التنبؤ وجدت أن المشاركين مالوا إلى تفضيل مستوى متوسط من التعقيد: ليس شديد البساطة إلى درجة الملل، ولا شديد العشوائية إلى درجة يصعب معها التنبؤ.
ودراسات أخرى وجدت أن تفضيل التعقيد يتغير أيضًا بحسب نوع التعقيد نفسه، ما يعني أنه لا توجد معادلة بسيطة تقول إن “الأكثر ترتيبًا أجمل” أو “الأكثر تعقيدًا أجمل”.
ربما نحن لا نبحث عن النظام فقط.
نبحث عن التوازن بين النظام والمفاجأة.
نريد أن نفهم ما نراه، لكننا لا نريد أن نعرف كل شيء مسبقًا.
الفن يوجد أحيانًا في المكان الذي يريد Wehrli تنظيفه
تخيل لوحة تتكون من عشرات المربعات والألوان والخطوط.
لو أخذنا جميع المربعات الحمراء ووضعناها في صف، ثم الزرقاء، ثم الصفراء، ثم رتبنا الأشكال حسب الحجم، فسنحصل على نتيجة منظمة جدًا.
لكن شيئًا اختفى.
ليس اللون.
وليس الشكل.
إنما العلاقة بين العناصر.
والعلاقات هي التي تصنع التكوين.
هذا هو السبب الذي يجعل النسخة “المرتبة” من العمل الفني مثيرة للضحك.
Wehrli لا يكتفي بترتيب اللوحة.
هو، بطريقة ساخرة، يزيل منها السبب الذي جعلها لوحة في المقام الأول.
في حديثه على TED، بنى مشروع Tidying Up Art تحديدًا على تفكيك أعمال لفنانين معروفين وإعادة مكوناتها في مجموعات بحسب اللون والحجم.
والنتيجة تكشف شيئًا مهمًا:
العناصر وحدها لا تصنع المعنى. العلاقات بينها تفعل ذلك.
وهذا لا ينطبق على الفن فقط.
الطبيعة نفسها لا تبدو كجدول بيانات
انظر إلى غابة طبيعية. لن تجد الأشجار مصطفة على مسافات متساوية.
بعضها صغير، بعضها ضخم، بعضها مائل، بعضها ميت، وبينها نباتات وصخور وفطريات وأغصان ساقطة.
لو نظر إليها شخص مهووس بالتناظر فقد يرى فوضى.
أما النظام البيئي فيرى شيئًا مختلفًا تمامًا. كل هذا التشابك جزء من النظام.
الشجرة الميتة ليست بالضرورة “قمامة” يجب إزالتها.
قد تكون موطنًا لكائنات ومصدرًا للمواد العضوية.
وهذا مثال جيد على الفرق بين:
النظام الذي يبدو مرتبًا
و
النظام الذي يعمل.
ليسا دائمًا الشيء نفسه.
المدن أيضًا تحتاج قليلًا من الفوضى
الفكرة نفسها تظهر عندما نقارن بعض المدن الحديثة المخططة بالكامل بأحياء قديمة تشكلت تدريجيًا عبر عشرات أو مئات السنين.
الشوارع القديمة قد تلتوي.
الأبنية ليست متطابقة.
الأزقة لا تتبع دائمًا شبكة هندسية مثالية.
من أعلى قد تبدو المدينة القديمة أقل تنظيمًا.
لكن أثناء السير داخلها قد تشعر بحيوية وتنوع وخصوصية يصعب إنتاجها عندما يكون كل شيء مصممًا مسبقًا وفق قاعدة واحدة.
ليس المقصود تمجيد سوء التخطيط.
بل التمييز مرة أخرى بين التنظيم والتجانس.
النظام الجيد لا يعني بالضرورة أن تكون جميع الأشياء متشابهة.
نحن نفعل الشيء نفسه بحياتنا
ربما أكثر تطبيق مثير لهذه الفكرة ليس الفن ولا المدن.
إنه حياتنا الشخصية.
نخطط للدراسة، ثم العمل، ثم المال، ثم العلاقات، ثم المستقبل.
نضع أهدافًا وجداول وقوائم.
وهذا مفيد.
لكن الإنسان يستطيع بسهولة أن يتحول من استخدام النظام إلى عبادة النظام.
يصبح اليوم السيئ هو اليوم الذي خرج عن الخطة.
والحدث غير المتوقع مشكلة.
والشخص الذي لا يتصرف كما توقعنا مصدر إزعاج.
وحينها تبدأ الحياة نفسها في أن تبدو لنا كأنها تحتاج إلى “تنظيف”.
لكن كثيرًا من الأشياء الأكثر أهمية في حياتنا لا تأتي وفق جدول.
صدفة تقودك إلى شخص.
مشكلة تجبرك على تغيير مسارك.
رحلة لم تكن مخططًا لها.
فكرة ظهرت أثناء عمل شيء آخر.
حتى الإبداع نفسه يحتاج مساحة لا تكون فيها النتيجة معروفة مسبقًا.
النظام وسيلة ممتازة… وسيد سيئ
لا مشكلة في الترتيب.
على العكس.
نحن بحاجة إليه.
لا يمكن بناء مدينة دون قواعد، أو تشغيل شركة دون عمليات، أو إجراء بحث علمي دون منهج، أو إدارة حياة معقدة دون قدر من التنظيم.
لكن الفرق كبير بين أن نقول:
“سأستخدم النظام لكي أخدم هدفي.”
وأن نقول:
“يجب أن يتوافق كل شيء مع النظام الذي وضعته.”
في الحالة الأولى، النظام أداة.
في الثانية، يتحول النظام نفسه إلى الهدف.
وعندها يمكن أن نرتكب الخطأ نفسه الذي تقوم عليه نكتة Wehrli:
نرتب اللوحة بشكل مثالي…
ثم نكتشف أننا ألغينا الفن.
ربما لا يوجد شيء اسمه فوضى مطلقة
من أجمل الأشياء التي قالها Wehrli عن مشروعه أن ما يبدو لنا فوضويًا قد يكون ببساطة نوعًا آخر من النظام.
وهذه الفكرة تستحق التوقف عندها.
فربما الفوضى ليست دائمًا غياب النظام.
ربما هي أحيانًا:
وجود عدد من العلاقات أكبر مما يستطيع عقلنا اختزاله بسرعة.
سماء مليئة بالنجوم تبدو مبعثرة، لكن الأجرام تتحرك وفق قوانين.
سوق مزدحم يبدو فوضويًا، لكن آلاف القرارات الفردية تجري داخله في اللحظة نفسها.
غابة تبدو غير مرتبة، لكنها شبكة بيئية معقدة.
وحياة الإنسان نفسها قد تبدو له في مرحلة معينة بلا اتجاه، ثم بعد سنوات يرى العلاقات التي لم يكن قادرًا على رؤيتها وقتها.
وهذا لا يعني أن كل فوضى تحتوي سرًا على خطة عظيمة.
لكن يعني أن علينا أن نكون أكثر حذرًا قبل أن نعتبر ما لا نفهمه بلا نظام.
لماذا يمنحنا Wehrli شعورًا غريبًا بالرضا؟
لأن صوره تلعب مع آليتين في الوقت نفسه.
الأولى تقول:
يا له من ترتيب مريح.
والثانية تقول:
لكن هذا سخيف.
وهنا تكمن قوة المشروع.
فالسيارات المصنفة حسب اللون تبدو جميلة، لكننا نعرف أن الناس لا يستخدمون مواقف السيارات بهذه الطريقة.
وحساء الأبجدية مرتب، لكن الطعام لا يحتاج إلى أبجدية.
واللوحة المنظمة أصبحت واضحة جدًا، لكنها لم تعد اللوحة نفسها.
Wehrli يأخذ رغبتنا الطبيعية في التنظيم، ثم يدفعها خطوة إضافية حتى تصبح عبثية.
وعند تلك النقطة، يبدأ السؤال:
إذا كان المزيد من النظام لا يعني دائمًا المزيد من المعنى، فأين يجب أن نتوقف؟
أيهما أجمل: الفوضى أم النظام؟
ربما السؤال نفسه ناقص.
الجمال لا يعيش بالضرورة في أحد الطرفين. النظام الكامل قد يصبح جامدًا.
والفوضى المطلقة قد تصبح غير مفهومة. وكثير مما نعتبره جميلًا يقع في المنطقة الواقعة بينهما.
موسيقى يمكن توقع إيقاعها، لكنها تفاجئك.
لوحة فيها تكوين، لكنه ليس واضحًا أكثر مما ينبغي.
مدينة فيها قواعد، لكنها تسمح بالتنوع.
حديث له موضوع، لكنه يترك مجالًا للانحراف والصدفة. وحياة فيها اتجاه، ولكن ليس سيناريو مكتوبًا بالكامل.
هل نرتب العالم لأننا نفهمه؟
ربما أحيانًا. نرتب المعلومات لكي ندرسها. نصنف الأشياء لكي نقارن بينها. نضع الخرائط لكي نفهم الأماكن. ونصنع القوانين لكي ننسق حياة ملايين الأشخاص.
لكن في أوقات أخرى، قد نفعل العكس تمامًا.
قد نرتب العالم لأننا لم نفهمه بعد. نضع الشيء في فئة حتى نتخلص مؤقتًا من الغموض. نطلق عليه اسمًا حتى نشعر أننا سيطرنا عليه. نبني جدولًا حتى يبدو المستقبل أقل خوفًا. نحول التعقيد إلى صفوف وأعمدة لأنه يصبح أكثر احتمالًا بهذه الصورة.
وهنا ربما يصل مشروع Ursus Wehrli إلى أكثر أسئلته إثارة، حتى لو لم يقصد تحويله إلى أطروحة فلسفية:
كم من الأشياء التي نسميها “فوضى” هي فعلًا فوضى، وكم منها مجرد واقع أعقد من الطريقة التي اعتدنا أن نرتبه بها؟
وربما لهذا تبدو صوره مضحكة ومقلقة في الوقت نفسه. إنها لا تقول لنا إن العالم يجب أن يصبح أكثر ترتيبًا.
بل تذكرنا بأن كل عملية ترتيب تقريبًا تتضمن اختيارًا:
شيئًا نحتفظ به.
وشيئًا نتجاهله.
وعلاقة نعتبرها مهمة.
وعلاقة أخرى نمحوها.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي:
كيف نضع كل شيء في مكانه الصحيح؟
بل:
من الذي قرر أصلًا ما هو المكان الصحيح؟










