لماذا نخفض صوت الموسيقى أثناء القيادة الصعبة؟
يبدو خفض صوت الموسيقى عند مواجهة موقف مروري صعب سلوكاً شائعاً، وكأن للصوت تأثيراً مباشراً على ما نراه. تؤكد دراسات الانتباه والإدراك في علم الأعصاب أن هذا التصرف ليس عشوائياً، بل استجابة طبيعية لطريقة معالجة الدماغ للمعلومات البصرية والسمعية.
أنت لا تقود بعينيك وحدهما
اعتدنا التعامل مع الحواس باعتبارها مستقلة؛ فنربط العين بما نراه والأذن بما نسمعه. غير أن معالجة الأصوات المعقدة، مثل الكلام أو الموسيقى، تؤثر على كفاءة معالجة البيانات البصرية.
يشرح عالم الأعصاب ديفيد بادري أن أداء مهام متعددة يواجه “عنق زجاجة” عقلياً عندما تتطلب تلك المهام الموارد العذنية ذاتها. يضطر الدماغ حينها إلى توزيع موارده والانتقال بين متطلبات متنافسة. كما أن مجرد وجود مثير سمعي يفرض عبئاً إضافياً على الذاكرة العاملة، حتى وإن حاول السائق تجاهله. وتلعب الموسيقى المألوفة دوراً أقل تطلباً مقارنة بالحوارات أو التقارير الإخبارية التي تتطلب فهماً ومتابعة.
تغدو الأصوات مزعجة عند الحاجة للتركيز
ترتفع متطلبات الدماغ مع زيادة تعقيد الطريق واتخاذ قرارات دقيقة. توضح تقارير هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC News) أن الانشغال الذهني يغير أنماط النظر البصري؛ إذ يقلل السائقون من استخدام المرايا وينكمش نطاق تفحصهم البصري عندما تنشغل عقولهم بمهام عميقة.
لذلك، يصبح خفض الموسيقى محاولة لتقليل المثيرات المنافسة عندما تزداد صعوبة القيادة. وعندما يركز الدماغ على مهمة أساسية ملحة، فإنه يتخلص مؤقتاً من المثيرات غير الضرورية.
ظاهرة العمى والصمم غير الانتباهي
لا يقتصر الانشغال الذهني على الشعور بالضيق من الأصوات، بل يتسبب في تفويت أشياء واضحة تقع أمام العينين تماماً.
تظهر تجربة “الغوريلا غير المرئية” الشهيرة (Time Magazine) أن نصف المشاركين لم يلاحظوا شخصاً بزي غوريلا يعبر المشهد لأن انتباههم كان منهمكاً في عدّ تمريرات كرة السلة. وبحسب عالم النفس تشارلز سبنس، قد ينظر السائق مباشرة إلى مشاة أو دراجة دون أن يدرك وجودهم فعلياً لانشغال انتباهه ذهنياً.
تحدث ظاهرة مشابهة في السمع يُطلق عليها “الصمم غير الانتباهي” (Scientific American)، حيث يقل إدراك الأصوات الواضحة عندما يكون الانتباه مستغرقاً في مهمة بصرية صعبة.
هل تشكل الموسيقى خطراً أثناء القيادة؟
لا تشكل الموسيقى خطراً مطلقاَ؛ إذ يعتمد تأثيرها على إيقاعها ونوعها ومستوى صعوبة الطريق.
- دراسة جامعة خرونينغن (2012): أظهرت أن الاستماع لموسيقى صاخبة زاد الجهد العقلي للسائقين في محاكي القيادة، لكن أداءهم ظل ثابتاً لأنهم عوضوا التشتيت ببذل جهد إضافي.
- دراسة صينية أمريكية (2021): وجدت أن الموسيقى السريعة ترفع الحمل الذهني ومعدل ضربات القلب لدى السائقين المبتدئين وتضعف قدرتهم على رصد الأخطار. في المقابل، لم ترفع الموسيقى البطيئة العبء الذهني وارتبطت بأداء أفضل.
يتضح إذن أن خفض صوت الموسيقى عند ازدحام الطريق أو صعوبته هو استجابة دماغية تلقائية تقلل المثيرات المتنافسة وتضمن الحفاظ على أعلى مستويات التركيز والسلامة.



