الثلاثاء, أكتوبر 13, 2026
إعلان

تقليديا، يُنظر إلى الآلة على أنها نظام منطقي بمعزل عن الانفعالات التي تؤثر في قرارات البشر مثل القلق أو الغضب. لكن مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة تقديم المقترحات إلى دور “الوكيل” الذي يتخذ القرارات وينفذ الأفعال بالنيابة عن المستخدم، بدأت الحدود تصبح أقل وضوحا. فالسياق العاطفي والمعلومات الشخصية قادرة على تغيير سلوك الآلة وطريقة وصولها إلى القرار، حتى دون أن تمتلك وعياً بشرياً.

حين يصبح السياق العاطفي جزءاً من القرار

أظهرت دراسة حديثة نُشرت في دورية “إن بي جيه الذكاء الاصطناعي” (npj Artificial Intelligence) أن السياق العاطفي يغير سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي. في تجربة محاكاة تسوق عبر 3 نماذج لغوية وبإجمالي 2250 تجربة، طُلب من الوكلاء اختيار سلال غذائية ضمن ميزانية محددة.

عند تعريض الوكلاء لسرديات شخصية تحفز “القلق” دون تغيير قيود المهمة، اتجهت النماذج نحو اختيار سلال غذائية أقل صحة مقارنة بالحالات المحايدة. يؤكد هذا أن التأثير العاطفي يمتد إلى الفعل والنتيجة داخل بيئة التجربة، وليس مجرد اختيار الكلمات.

التفاعل بين التعليمات والبيانات الضمنية

لا يعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي بمعزل عن محيطهم؛ فمع تزايد استقلاليتهم في فتح صفحات الويب أو البريد الإلكتروني، يعتمدون على ما يُعرف بـ “التعلم ضمن السياق” (In-Context learning).

يشير بهادا يون، الباحث في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، إلى قدرة نماذج اللغة الكبيرة على استنتاج معلومات شخصية ضمنية من منشورات المستخدمين وأنماط كتابتهم، حتى دون تصريح مباشر. هذا يعني أن بناء الوكيل لفهم شخصية المستخدم يعتمد على تفاصيل متناثرة قد تغير قراراته بصورة جذرية، مما يطرح تحديات جوهرية حول الخصوصية ودقة التمثيل.

إعلان

النموذج ليس الوكيل

للتعامل بدقة مع هذه المنظومات، يجب التمييز بين نموذج اللغة (المسؤول عن التنبؤ بالنص) والوكيل الأوسع الذي يتضمن بيئة العمل أو “الهارنس” (Harness)، والتي تشمل الذاكرة، والأدوات، ومصادر البيانات.

هذا الإطار الموسع يعني أن الذاكرة وسياق الاستخدام يمكن أن يؤديا إلى تغيرات واضحة في استجابات النماذج وقيمها. وبينما يساعد السجل الطويل للبيانات على موثوقية الوكيل، فإنه قد يؤدي أحياناً إلى تحيز غير متوقع إذا لم يُدار بحذر.

تأثير المشاعر على الأحكام الأخلاقية

لا يقتصر التأثير العاطفي على التسوق فحسب؛ فقد أظهرت دراسة أخرى نشرت ضمن مؤتمر “إيه سي إل 2026” (ACL 2026) أن إدخال المشاعر في المواقف الأخلاقية يغير أحكام نماذج اللغة الكبيرة.

أدت المشاعر الإيجابية إلى زيادة القبول الأخلاقي للأفعال، بينما خفضتها المشاعر السلبية، ووصلت نسبة تغيير الأحكام في بعض الحالات إلى 20%. والأكثر لفتًا للانتباه هو أن هذه التحولات لم تطابق الأنماط البشرية بنفس الصورة، مما يبرز فجوة واضحة في المحاذاة بين استجابات الآلة والبشر.

هل تملك الآلة مشاعر حقاً؟

تناقش أبحاث نُشرت في “نيتشر هيومن بيهافيور” (Nature Human Behaviour) عواطف نماذج اللغة من منظور وظيفي، مؤكدة أن غياب التجربة الشعورية الواعية لا يعني بالضرورة غياب الوظيفة التي تؤديها العواطف في تفسير العالم. وبغض النظر عن الجانب الشعوري، فإن تغير السلوك القابل للقياس يظل حقيقة مثبتة في بيئات التسوق والأحكام الأخلاقية.

من الفهم إلى التأثير

حين تمتلك الآلة القدرة على جمع تفاصيل دقيقة عن عاداتنا، وتفضيلاتنا، وحالاتنا النفسية، فإنها لا تقتصر على مجرد فهمنا، بل قد تتحول إلى أداة قادرة على التنبؤ باختياراتنا والتأثير فيها. تكمن المعضلة الحقيقية في كيفية تزويد الوكيل بالسياق الكافي لتمثيلنا بأمانة دون انتهاك الخصوصية، أو اختزال التعقيد البشري في بيانات جامدة.

شاركها.

منصة شاملة تقدم محتوى متنوعًا يجمع بين الأخبار الحديثة والمدونات التحليلية، بالإضافة إلى إحصائيات دقيقة، واختبارات تفاعلية، ومقاطع فيديو مبتكرة.

إعلان
Subscribe
Notify of
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
إعلان
wpDiscuz
0
0
حابين نسمع رأيك، اترك تعليقك.x
()
x
Exit mobile version