في مقابلة موسعة ضمن برنامج “صالون الجمهورية” على منصة “سوريا الآن”، قدم حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية عرضاً تفصيلياً للرؤية الاقتصادية الجديدة التي تتبناها البلاد في مرحلة ما بعد التغيير السياسي. وتناول اللقاء، الذي أداره الإعلامي أحمد فاخوري، ملفات شائكة أبرزها طرح العملة الجديدة، آليات ضبط سعر الصرف، ومستقبل الودائع والتعاملات الدولية.
حقيقة “حذف الأصفار”: إجراء فني لتبسيط المعاملات
استهل حصرية حديثه بتوضيح اللغط الدائر حول العملة الجديدة، مؤكداً أن عملية حذف صفرين من الليرة هي “إجراء فني ومحاسبي بحت” يهدف إلى تبسيط المعاملات المالية اليومية وحركة البيع والشراء. وشدد الحاكم على أن هذه الخطوة لا تؤثر سلباً أو إيجاباً بحد ذاتها على القيمة الشرائية لليرة، بل هي عملية تنظيمية ضرورية بعد التضخم الهائل الذي ورثته البلاد.
وفي هذا السياق، كشف حصرية عن أرقام صادمة تتعلق بالكتلة النقدية (M0)؛ حيث أشار إلى أن النظام السابق طبع عملة دون غطاء إنتاجي، مما رفع الكتلة من تريليون ليرة في عام 2011 إلى أكثر من 39 تريليون ليرة لحظة سقوطه. وأوضح أن الإجراءات الحالية مكنت المركزي أخيراً من حصر الكتلة النقدية بدقة، وهو ما يشكل حجر الأساس لبناء أي سياسة نقدية ناجحة.
نهاية عصر التثبيت القسري: نحو “التعويم المدار”
وفيما يتعلق بسعر الصرف، الذي طالما أرق المواطنين والتجار، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي قطيعة تامة مع سياسات الماضي. وأكد أن المركزي لن يتدخل لتثبيت السعر بشكل مصطنع، بل سيعتمد سياسة “التعويم المدار”، حيث يُترك للسوق تحديد السعر بناءً على العرض والطلب الحقيقيين.
علاوة على ذلك، توعد حصرية المضاربين بإجراءات صارمة، واصفاً المصرف المركزي بأنه سيكون “اللاعب الأقوى” في السوق. وأضاف بلهجة حازمة أن أي محاولة للتلاعب بقوت الناس ستقابل برد قاسٍ من المركزي “يحرق أصابع المضاربين” قانونياً واقتصادياً، مشيراً إلى أن الاستقرار النقدي هو الهدف الأسمى، لأن التذبذب (Volatility) يضر بالاقتصاد أكثر من ارتفاع السعر أو انخفاضه.
الاندماج في الاقتصاد العالمي: سويفت وشركات الدفع
انتقل الحوار إلى ملف العزلة المالية، حيث بشر حصرية بقرب عودة سوريا إلى الخارطة المالية الدولية. وأوضح أن العمل جارٍ على قدم وساق لإعادة تفعيل نظام “سويفت” (SWIFT) للتحويلات، مشدداً على أن هذا الأمر يتطلب وقتاً لبناء الثقة والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال (KYC/AML).
من ناحية أخرى، كشف الحاكم عن مذكرات تفاهم مع عمالقة الدفع الإلكتروني مثل “ماستر كارد” و”فيزا”، لافتاً إلى أن التحول الرقمي (Digitization) هو ركيزة أساسية في استراتيجية المركزي لتقليل الاعتماد على “الكاش”. وأكد أن القطاع المصرفي يعمل بجهد لتلبية المتطلبات الدولية لفتح الحسابات وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.
أزمة الثقة والودائع الضائعة
لم يغفل اللقاء “وجع الناس” المتمثل في الودائع العالقة وأزمة السيولة. اعترف حصرية بوجود ما سماه “مفارقة السيولة” (Liquidity Paradox)، حيث تتوفر الأموال لكنها لا تدخل في الدورة الاقتصادية بسبب انعدام الثقة.
وأوضح أن الحل لا يكمن في ضخ المزيد من النقد الذي يسبب التضخم، بل في استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تدريجياً. وبالنسبة للودائع القديمة وتلك المرتبطة بالأزمة اللبنانية، أشار إلى أن المصارف منحت مهلاً لمعالجة انكشافاتها، وأن الحلول ستأتي تباعاً مع تعافي الاقتصاد، داعياً المواطنين لمنح الحكومة والمصرف المركزي فرصة لإثبات جديتهم في الحفاظ على المدخرات الجديدة.
نظرة مستقبلية: سوريا “النجم الصاعد”
اختتم عبد القادر حصرية حديثه بنبرة متفائلة، ناقلاً توقعات مؤسسات دولية بأن تكون سوريا “النجم الاقتصادي الصاعد” في المنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة. ووعد بتغيير جذري في فلسفة الإقراض، بحيث يتم دعم الشباب ورواد الأعمال بناءً على جدوى مشاريعهم وليس فقط بناءً على الضمانات العقارية الجامدة، مما يفتح الباب لنهضة حقيقية يقودها الإنتاج وليس المضاربة.