التعلم بأدوات محدودة في دير البلح
في وسط قطاع غزة، بمدينة دير البلح، يجتمع عدد من الأطفال الشغوفين حول طاولة لتفكيك وتركيب بضعة مكونات إلكترونية وأسلاك معدودة ولوحة دوائر قابلة للبرمجة ضمن مشروع “فريق الجيل القادم: مهندس الروبوتات الصاعد”.
يتعلم الطلاب في هذا المشروع دمج المستشعرات في أنظمة الإنذار، وفهم آلية عمل المحركات وحدات الدفع، واكتساب خبرة عملية في البرمجة. ولا تقتصر هذه الأنشطة على مواكبة الطفرات التكنولوجية خارج غزة، بل قد تسهم في إنقاذ الأرواح مستقبلًا من خلال تطوير أنظمة إنذار للكشف المبكر عن تسرب الغاز والحرائق، أو مساعدة فرق الإنقاذ في الوصول إلى العالقين تحت الركام في المناطق الوعورة.
يستخدم حمزة الأطرش (16 عاماً)، أحد المشاركين، وحدة تحكم “أردوينو” (Arduino) ومستشعرات لتطوير روبوتات وأنظمة إنذار مبكر. ورغم النقص الحاد في المعدات والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، يؤكد حمزة أن “نقص الأجهزة لن يثنينا عن المضي قدماً، بل يدفعنا للبحث عن حلول والاستفادة القصوى من الأدوات البسيطة المتاحة”.
خسائر فادحة في البنية التحتية للتكنولوجيا والتعليم
تأتي هذه الجهود الفردية وسط شلل واسع يضرب قطاع التكنولوجيا والابتكار في غزة. فقبل الحرب، كانت حاضنات الأعمال – مثل حاضنة “يوكاس” (UCAS) التكنولوجية التابعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وحاضنة مركز “معاً” – توفر بيئة حاضنة للتدريب ودعم الشركات الناشئة وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية. اليوم، تضررت أو دُمِّرت معظم هذه المنظومة.
وفقاً لتقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة:
- بلغت الخسائر المباشرة للقطاع التعليمي نحو 4 مليارات دولار.
- دُمّرت 17 مؤسسة للتعليم العالي كلياً أو جزئياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
- حُرم نحو 620 ألف طالب ثانوية و90 ألف طالب جامعي من مواصلة تعليمهم.
- قُتل نحو 20,228 طالباً، و830 معلماً، و194 عالماً وباحثاً.
انهيار قطاع تكنولوجيا المعلومات
يشير الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات كان يمثل مصدراً نادراً للعملة الصعبة ومتنفساً لآلاف الخريجين في سوق تعاني من بطالة مرتفعة، حيث كانت 80% من أنشطته موجهة للأسواق الخارجية.
حالياً، يعمل القطاع بأقل من 25% من مستوياته السابقة، وتوقفت أكثر من 70% من شركات التقنية عن العمل. وأدى الحصار إلى ارتفاع أسعار المعدات التقنية (الحواسيب، الخوادم، الموجهات، وكابلات الألياف الضوئية) بنسبة تجاوزت 600%. ونتيجة لذلك، فقد نحو 30 ألف متخصص في تكنولوجيا المعلومات وظائفهم، وسط بطالة عامة تصل إلى 80% وفقر يتجاوز 90%.
هجرة الكفاءات وعقبات إعادة الإعمار
يوضح عبد الله الطهراوي، الخبير في التكنولوجيا الاقتصاد الرقمي بحاضنة “يوكاس”، أن إعادة إعمار القطاع تواجه تحديات قاسية بسبب تدمير شبكات الإنترنت والكهرباء، وصعوبة التعامل مع الأسواق الخارجية لشراء الخوادم أو إدارة الحسابات الرقمية.
من بين الحاضنات الخمس الرئيسية التي كانت تعمل قبل الحرب، لم تستأنف سوى اثنتين عملهما بطاقة تشغيلية لا تتجاوز 20%. ولا تمتلك سوى 1% من الشركات مقرات عمل حالياً. والأكثر تأثيراً هو هجرة العقول؛ حيث غادر أكثر من 80% من الكفاءات والمهنيين ذوي الخبرة العالية قطاع غزة، مما يجعل نهوض هذا القطاع الحيوي التحدي الأبرز لمستقبل القطاع.



