تکشف أزمة الديزل العالمية عن اختناق حقيقي يتجاوز مجرد ارتفاع أسعار الوقود، متمثلاً في نقص المنتجات النفطية المكررة القابلة للوصول إلى المستهلك، رغم وفرة إمدادات النفط الخام عالمياً.
وتسببت اضطرابات إمدادات المشتقات النفطية – الناتجة عن القيود المفروضة على تدفقات الخليج، وحجب روسيا لصادراتها عقب الهجمات الأوكرانية على مصافيها، وتوقف الصين عن تصدير بعض المنتجات – في استنزاف المخزونات العالمية. وأكد مسؤولون في قطاع الطاقة مثل “فيتول” و”فيليبس 66″ أن الأسواق فقدت نحو 4 ملايين برميل يومياً من روسيا والشرق الأوسط، بينما تعمل المصافي الغربية حالياً بأقصى طاقتها التشغيلية التي تقارب 98% إلى 100%.
وقد انعكست هذه الأزمة مباشرة على الأسعار؛ إذ سجل الديزل في الولايات المتحدة مستويات قرب 6.5 دولارات للغالون، وتخطى متوسط سعر اللتر في بريطانيا 2.6 دولار مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 40.5%.
أزمة منتجات مكررة لا نفط خام
توضح خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان أن المشكلة لا تكمن في نقص الخام، بل في عجز المنتجات المكررة عن تلبية الطلب العالمي بعد تعطل سلاسل الإمداد. ويتفق معها مدير معهد الكربون لأبحاث الطاقة والمناخ كريم الجندي، مشيراً إلى أن الأزمة هي أزمة تكرير وليست أزمة آبار نفط.
وفي أوروبا، تفاقمت الأزمة بسبب تراجع الطاقة التكريرية للاتحاد الأوروبي وبريطانيا من 17.5 مليون برميل يومياً عام 2009 إلى 14.4 مليوناً حالياً، بعد إغلاق أو تحويل نحو 30 مصفاة. ومع التخلي عن الديزل الروسي، باتت القارة العجوز تعتمد بشكل مفرط على الوظائف الأمريكية والشرق أوسطية، مما جعلها الأكثر عرضة للصدمات.
قطاعات مكشوفة وتضخم متسلسل
يختلف الديزل عن البنزين في دخوله المباشر بعمليات الإنتاج؛ فهو العمود الفقري للشاحنات، والجرارات الزراعية، ومضخات الري، ومعدات البناء والتعدين، والنقل البحري. واستحوذ النقل البري وحده على نحو 73.8% من الاستهلاك العالمي للديزل، مما يجعل حركة التجارة حساسة للغاية تجاه أي نقص.
ويحذر الخبراء من صعوبة إيجاد بدائل سريعة، فالصناعات والمعدات التي تعتمد على الديزل لا يمكن تحويلها سريعاً إلى الكهرباء أو الغاز. وتتحمل الدول العربية المستوردة (مثل مصر والأردن والمغرب) عبئاً إضافياً بسبب فاتورة العملة الأجنبية المرتفعة لاستيراد الغذاء والوقود.
تبدأ الصدمة من خزان وقود الشاحنة لتتحول إلى “ضريبة خفية” على الاقتصاد:
- زراعياً: ترتفع تكلفة تشغيل الجرارات ومضخات المياه.
- لوجستياً: تزيد كلفة نقل المحاصيل والبضائع إلى أسواق الجملة.
- استهلاكياً: تنعكس الزيادة بضغوط تضخمية واضحة على أسعار الغذاء والسلع، مما يهدد بدفع الاقتصاد نحو الركود التضخمي.
هل تحل المخزونات الإستراتيجية الأزمة؟
اتفقت دول مجموعة السبع على الإفراج المنسق عن 100 مليون برميل من الخام والمنتجات المكررة عبر وكالة الطاقة الدولية خلال 4 أشهر، مع تنسيق صيانة المصافي ورفع معدلات التشغيل. ورغم أن هذا الإجراء ساهم في تراجع بعض المخاوف الفورية (مثل إلغاء حظر الصادرات الأمريكية)، إلا أن الخبراء يعتبرون المخزونات “مسكناً مؤقتاً لا علاجا جذرياً”. فهي تشتري وقتاً، لكنها لا تضيف طاقة تكريرية دائمة.
خلل هيكلي وحلول طويلة الأجل
تكشف الأزمة عن خلل هيكلي في “الانتقال الطاقي غير المنظم”، حيث يتراجع عرض الوقود التقليدي بوتيرة أسرع من قدرة القطاعات المستهلكة على التخلص من اعتماده.
لذلك، يرى الخبراء أن الحل المستدام لا يقتصر على بناء مصافي جديدة تتطلب عقوداً لاسترداد تكلفتها، بل يتطلب خفض ارتهان الاقتصاد للديزل عبر كهربة النقل والخدمات اللوجيستية والزراعة. وتُظهر استطلاعات قطاع الطاقة أن عودة أسعار الديزل إلى مستويات عام 2025 قد تستغرق أكثر من أربعة فصول، مما يعني أن تداعيات الأزمة مستمرة على المدى القريب والمتوسط.



