حين نقرأ عن الشمبانزي، نحن غالبًا نتوقع قصصًا عن الذكاء، والتحالفات، وتنظيف الفراء، والفاكهة التي تُلتهم بهدوء تحت ظلال الغابة. لكن ما حدث في منتزه كيبالي الوطني بأوغندا يبدّل هذه الصورة الهادئة تمامًا. فالدراسة التي تابعت مجتمع “نجوجو” لسنوات طويلة تقول لنا شيئًا مزعجًا ومثيرًا في الوقت نفسه: حتى أقوى الروابط الاجتماعية قد تتشقق، وحتى المجموعة التي تبدو متماسكة قد تنقسم من الداخل بشكل عنيف. هذه ليست مبالغة صحفية، بل خلاصة متابعة ميدانية امتدت نحو ثلاثة عقود لمجتمع كان يُعد الأكبر المعروف من الشمبانزي البري.
اللافت هنا أن القصة لا تتعلق بصراع بين غرباء، بل بين أفراد عرف بعضهم بعضًا طوال حياتهم. الذكور التي تقاتلت لاحقًا لم تكن وافدة من غابة أخرى، بل نشأت سويًا وتعاونت سابقًا داخل مجتمع واحد. وهذا بالتحديد ما جعل الباحثين ينظرون إلى ما حدث بوصفه حالة نادرة جدًا: انقسام دائم لمجموعة واحدة إلى جماعتين منفصلتين، ثم تحوّل ذلك الانقسام إلى هجمات منسقة أودت بحياة أفراد بالغين ورُضّع. حتى وصف “الحرب الأهلية” الذي استخدمته بعض التغطيات الإعلامية قوبل بتحفظ من الباحثين أنفسهم، لكنهم أقرّوا بوجود أوجه شبه اجتماعية مزعجة لا يمكن تجاهلها.
ما يجعل هذه الحكاية أكثر أهمية أن مجتمع نجوجو لم يكن مجموعة عادية. فالباحثون بدأوا متابعته منذ 1995، وكان عدد أفراده عند الذروة يقارب 200 شمبانزي، بينما تميل مجتمعات الشمبانزي عادةً إلى أن تكون أصغر بكثير، وغالبًا في حدود نحو 50 فردًا. هذا الحجم الضخم يبدو للوهلة الأولى علامة قوة، لكننا نعرف من التجارب البشرية أيضًا أن الكثرة لا تعني الانسجام دائمًا؛ أحيانًا يصبح الازدحام الاجتماعي نفسه وصفة جاهزة للتوتر. وكأن الغابة تقول لنا، بطريقتها الخاصة، إن “الكبير” ليس دائمًا “الأهدأ”.
بحسب الدراسة، ظل المجتمع متماسكًا خلال العقدين الأولين من المراقبة، رغم وجود تجمعات فرعية مرنة داخله، وهو سلوك معروف لدى الشمبانزي ضمن ما يسمى بنمط “الانشطار والاندماج”، حيث تتفرق الأفراد مؤقتًا ثم تعود للاجتماع من جديد. لكن في 2015 بدأت العلامات المقلقة تظهر بوضوح: مجموعتان فرعيتان، غربية ووسطى، أخذتا تتجنبان بعضهما شيئًا فشيئًا. ثم جاء التغير في هرم السيطرة بين الذكور، إضافة إلى فقدان أفراد لعبوا دور الجسور الاجتماعية داخل المجتمع، لتزداد الشقوق اتساعًا. وبحلول 2018 أصبح الانقسام مكتملًا، وصارت هناك جماعتان منفصلتان بأراضٍ وحدود مختلفة.
بعد ذلك، لم يعد الأمر مجرد برود اجتماعي أو “زعل جماعي” كما قد نمزح، بل تحول إلى عنف قاتل. الباحثون وثقوا أن المجموعة الغربية شنت سلسلة من الهجمات على المجموعة الوسطى. وبين 2018 و2024، سُجلت أو استُدل بقوة على هجمات أودت بحياة 7 ذكور بالغة و17 رضيعًا. كما أشارت تغطية رويترز إلى أن العنف استمر بعد ذلك، لترتفع الحصيلة المؤكدة إلى 28 حالة نفوق، مع اختفاء أفراد آخرين في ظروف توحي بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى. وهذا تفصيل مهم، لأن الدراسات الميدانية لا ترى كل شيء، والغابة لا تقدم دائمًا تقريرًا كاملاً في نهاية اليوم.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط ومربك: لماذا انقسموا أصلًا؟ لا يملك الباحثون إجابة واحدة قاطعة، لكنهم يطرحون مجموعة عوامل تبدو منطقية حين نضعها معًا. أولًا، الحجم الكبير للمجتمع ربما زاد المنافسة على الغذاء. وثانيًا، سيطرة الذكور على البنية الاجتماعية تعني أن التنافس على النفوذ والتزاوج يمكن أن يصبح حادًا جدًا. وثالثًا، التغير في الذكر المهيمن خلال فترة التوتر قد أعاد توزيع التحالفات داخل المجموعة. وفوق ذلك كله، تشير الدراسة والتقارير المرافقة إلى أن المرض ووفاة أفراد مهمين اجتماعيًا ربما سرّعا تفكك العلاقات القديمة. بعبارة أوضح: الانقسام لم ينشأ من سبب واحد، بل من تراكم ضغط اجتماعي طويل حتى انكسر التوازن.
وهنا نصل إلى النقطة التي أراها الأهم، وربما الأكثر قربًا منا نحن البشر. الدراسة لا تقول إن الشمبانزي “مثلنا” ببساطة، كما أن الباحثين حذروا من المقارنات السريعة بين عنف الشمبانزي والعنف البشري. لكن ما تكشفه النتائج يستحق التوقف: الهويات الجماعية قد تتغير بسرعة حين تتبدل العلاقات اليومية، وعندما تضعف الجسور بين الأفراد، قد تصبح الألفة القديمة أقل وزنًا من الانتماء الجديد. هذه الفكرة بالذات دفعت الباحثين إلى القول إن فهمنا للصراع البشري ربما يحتاج إلى النظر بجدية أكبر إلى العلاقات اليومية والتفاعلات الصغيرة، لا إلى الشعارات الكبيرة وحدها.
ومن زاوية علمية أوسع، أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في غرابة المشهد، بل في ندرة الحدث نفسه. فالأدلة الجينية تشير إلى أن الانقسامات الدائمة في مجتمعات الشمبانزي نادرة للغاية، وقد تقع في المتوسط مرة كل نحو 500 عام. كما أن الحالة السابقة الأشهر في تنزانيا خلال سبعينيات القرن الماضي بقيت محل نقاش، لأن الباحثين هناك كانوا يقدّمون الطعام للشمبانزي، ما فتح بابًا واسعًا للتشكيك في مدى “طبيعية” السلوك. أما في نجوجو، فالصورة أوضح، لأن المجتمع لم يكن يتلقى طعامًا من الباحثين، ولأن المراقبة كانت طويلة ومستمرة على نحو غير معتاد.
هناك جانب آخر لا يجب أن نهمله: هذه الدراسة تذكّرنا بقيمة البحث الميداني الطويل. لو زار فريق علمي المكان أسبوعين فقط، لكنا حصلنا على لقطات جميلة للغابة وبعض ملاحظات عامة عن السلوك. لكن عندما تتابع مجتمعًا واحدًا لسنوات طويلة، تبدأ التفاصيل الصغيرة في الكلام: من يجلس مع من، من يتجنب من، من يغيّر ولاءه، ومن يختفي فجأة. العلم هنا لا يعمل ككاميرا سريعة، بل كمسلسل وثائقي طويل، وكل حلقة تضيف معنى جديدًا للحلقة السابقة. وهذا أحد أجمل ما في الدراسات السلوكية الجيدة: أنها تعلّمنا الصبر بقدر ما تعلّمنا الحقائق.
وبرأيي، الدرس الأكثر إيلامًا ليس أن الشمبانزي قادر على العنف؛ فنحن نعرف أصلًا أن الشمبانزي قد يهاجم الغرباء أو ينافس بعنف. الدرس الأثقل هو أن العنف يمكن أن ينشأ داخل البيت الواحد، بعد سنوات من التعاون. هذا يجعل القصة أكبر من مجرد خبر عن الحيوانات. إنها نافذة على هشاشة الروابط الاجتماعية حين تتراكم المنافسة، ويغيب الوسطاء، وتفقد الجماعة قدرتها على ترميم الشروخ مبكرًا. وفي عالمنا نحن، حيث تنقسم المجموعات بسرعة بسبب الضغوط والخوف والاستقطاب، تبدو هذه القصة آتية من الغابة، نعم، لكنها لا تخص الغابة وحدها.
أما مستقبلًا، فمن المرجح أن يواصل الباحثون تتبع هذا الصراع لمعرفة ما إذا كانت الجماعتان ستستقران ككيانين منفصلين، أم أن العنف سيستمر، أم أن ميزان القوة سيتغير مرة أخرى. بالنسبة لنا كقراء، لا تمنحنا هذه القصة إجابة مريحة، لكنها تمنحنا شيئًا أهم: تذكيرًا بأن التماسك الاجتماعي لا يعيش تلقائيًا، بل يحتاج دائمًا إلى ترميم، وإلى لقاءات يومية صغيرة، وإلى جسور لا نراها أحيانًا إلا بعد أن تنهار. وربما هنا تكمن الفكرة التي تستحق أن نبقيها معنا: السلام لا يبدأ دائمًا من القرارات الكبرى، بل من قدرة المجموعة على ألا تسمح للشقوق الصغيرة بأن تكبر في الظل.
الأسئلة الشائعة
ما الذي جعل هذه الحالة استثنائية لدى الشمبانزي؟
أين وقع هذا الانقسام؟
كم بلغ عدد حالات النفوق الموثقة؟
ما الأسباب المحتملة وراء الانقسام والعنف؟
هل يرى العلماء أن ما حدث يشبه الحروب البشرية؟
المصادر:
- رويترز
- Science
- UT Austin News
- University of Arizona News
- EurekAlert / AAAS


