كشف تحقيق نشرته صحيفة «تايمز» البريطانية أن جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تلقى 1.76 مليون دولار من شركة أميركية تابعة للاتحاد خلال عام 2024، دون إدراج هذه المدفوعات في التقارير المالية السنوية للمنظمة.
وبحسب التحقيق، شملت المزايا المالية نفقات مرتبطة بإقامة إنفانتينو في ميامي، بينها استئجار قصر فاخر على الواجهة البحرية بعشرات الآلاف من الدولارات شهرياً.
وتثير القضية تساؤلات بشأن التزام فيفا بقواعد الشفافية التي أُقرت بعد فضائح الفساد عام 2016، خصوصاً مع استعداد إنفانتينو لانتخابات الرئاسة في مارس/آذار 2027، وسط خلافات بشأن إدارة الحقوق التجارية لكأس العالم.
راتب إضافي بقيمة 1.76 مليون دولار لم يظهر في تقارير فيفا
استند تحقيق «تايمز» إلى إقرار مالي قدمته شركة FWC2026 US Inc، التابعة لفيفا والمسؤولة عن تنظيم كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، إلى مصلحة الضرائب الأميركية.
وأظهر الإقرار حصول إنفانتينو على 1.76 مليون دولار خلال عام 2024، إضافة إلى التعويضات التي أعلنها الاتحاد في سويسرا.
ووفق التقرير السنوي لفيفا، بلغت تعويضات رئيس الاتحاد المعلنة لذلك العام 4.274 ملايين فرنك سويسري، موزعة على:

- 2.6 مليون فرنك سويسري: راتب أساسي.
- 1.65 مليون فرنك: مكافأة متغيرة.
- 24 ألف فرنك: مخصصات إضافية.
لكن التقرير لم يتضمن المدفوعات الأميركية، التي شملت 626 ألفاً و229 دولاراً تحت بند التعويضات والمزايا الإضافية.
وذكرت مصادر الصحيفة أن جزءاً من الأموال استُخدم لتغطية تكاليف إقامة إنفانتينو في ميامي استعداداً للمونديال، بما فيها استئجار منزل فاخر كان يملكه سابقاً إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل.
ويعيد هذا الكشف النقاش حول إصلاحات الشفافية التي تعهد بها إنفانتينو عند انتخابه عام 2016، عقب فضائح الفساد التي أطاحت بسلفه جوزيف بلاتر وعدد من كبار المسؤولين.
وتلزم قواعد فيفا بنشر التعويضات الفردية لكبار المسؤولين سنوياً، بينما تتولى لجنة فرعية مختصة تحديد الرواتب والمكافآت واعتماد العقود.
واعتبر البرتغالي ميغيل مادورو، الرئيس السابق للجنة الحوكمة في فيفا، أن عدم الإفصاح عن المدفوعات الإضافية يمثل انتهاكاً واضحاً للنظام الأساسي، مطالباً بتحقيق مستقل.
كما استفسرت «تايمز» عن احتمال وجود مدفوعات أخرى غير معلنة قبل مونديال قطر 2022 أو خلال عامي 2025 و2026، لكنها لم تحصل على إجابات.
كيف رد فيفا على اتهامات عدم الإفصاح؟
لم ينف الاتحاد الدولي وجود المزايا المالية الإضافية، لكنه لم يوضح مباشرة سبب استبعادها من تقاريره السنوية.
وقال متحدث باسم فيفا إن التعويضات والمزايا التعاقدية لرئيس الاتحاد تحددها اللجنة الفرعية المختصة بالمكافآت، وتشمل مساهمات في التأمينات الاجتماعية وصندوق التقاعد ومزايا وظيفية أخرى.
وأضاف أن هذه المبالغ تُبلغ إلى السلطات الأميركية وفق متطلبات الإفصاح المعمول بها.
غير أن الإفصاح الضريبي في الولايات المتحدة لا يجيب عن السؤال الأساسي: لماذا لم تظهر المدفوعات في التقرير السنوي لفيفا؟
ولا تثبت المعلومات المنشورة أن الأموال صُرفت بصورة غير قانونية، كما لم يصدر قرار من جهة رقابية مستقلة يثبت مخالفة إنفانتينو. لكن القضية تضع نظام الرقابة المالية في الاتحاد أمام اختبار جديد.
لماذا يصعب إقصاء إنفانتينو من رئاسة فيفا؟
رغم الانتقادات، يحتفظ إنفانتينو بنفوذ انتخابي واسع. وتوضح صحيفة «فايننشال تايمز» أن سر قوته يرتبط بالنظام الانتخابي لفيفا وبرامج التمويل المخصصة للاتحادات الوطنية.
يضم الاتحاد الدولي 211 اتحاداً وطنياً، يمتلك كل منها صوتاً واحداً في انتخابات الرئاسة، بغض النظر عن حجم الدولة أو إيرادات كرة القدم فيها.
وهكذا يمتلك الاتحاد الإنجليزي الصوت نفسه الذي يمتلكه اتحاد مونتسرات، الإقليم الكاريبي الذي يبلغ عدد سكانه نحو 4300 نسمة.
وتمنح هذه القاعدة الاتحادات الصغيرة ثقلاً انتخابياً كبيراً، خاصة أن كثيراً منها يعتمد على دعم فيفا لتطوير الملاعب وتدريب الحكام والمدربين وتمويل الفئات العمرية.
برنامج «فيفا فوروارد» ودوره في تعزيز النفوذ
بموجب برنامج FIFA Forward، يمكن لكل اتحاد وطني الحصول على تمويل يصل إلى 8 ملايين دولار خلال دورة 2023–2026، لتغطية النفقات التشغيلية والمشروعات التنموية.
وقد تحصل الاتحادات الأكثر احتياجاً على مساعدات إضافية تصل إلى 1.2 مليون دولار، وفق شروط البرنامج.
ومنذ انتخابه عام 2016، ركز إنفانتينو على زيادة إيرادات المنظمة وتوسيع بطولاتها، بما فيها رفع عدد منتخبات كأس العالم من 32 إلى 48 منتخباً وتطوير كأس العالم للأندية.
وساهمت هذه السياسة في زيادة الأموال المتاحة للاتحادات، ما عزز علاقته بالعديد منها.
وترى «فايننشال تايمز» أن مصالح الاتحادات الصغيرة تختلف عن أولويات الأندية والجماهير الأوروبية. فبينما يثير ارتفاع أسعار التذاكر والتوسع التجاري اعتراضات في أوروبا، يمثل تمويل فيفا فرصة أساسية لتطوير كرة القدم في الدول محدودة الموارد.
ولخصت ليز كلافينيس، رئيسة الاتحاد النرويجي، هذه المعضلة بتساؤلها عن الدافع الذي قد يجعل اتحاداً صغيراً مثل مونتسرات يؤيد مرشحاً يهدد بتقليص التمويل الذي يحصل عليه.
صفقة بـ4.2 مليارات دولار هددت نفوذ إنفانتينو
واجه رئيس فيفا إحدى أكبر أزماته خلال يوليو/تموز 2026، عندما كشفت «تايمز» عن مشروع لبيع حصة تبلغ 20% من الحقوق التجارية المرتبطة بكأس العالم وبطولات أخرى.
وقدرت قيمة الحصة بنحو 4.2 مليارات دولار، وكان من المقرر بيعها لمجموعة مستثمرين يقودها الأميركي جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب «فايننشال تايمز»، منح إنفانتينو الاتحادات الوطنية مهلة 53 يوماً لدراسة المقترح، ووعد بتوزيع 20 مليون دولار على كل اتحاد في حال الموافقة.
لكن الخطة واجهت معارضة واسعة بسبب تقييم الحقوق التجارية، وغياب المنافسة بين المستثمرين، ومحدودية التشاور مع أعضاء الاتحاد.
وقاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) المعارضة، مؤكداً أن كأس العالم ليست للبيع. وهددت اتحادات أوروبية بمقاطعة مسابقات فيفا إذا نُفذت الصفقة.
وفي النهاية، اضطر إنفانتينو إلى التراجع عنها.
ورغم ذلك، لم تنهَر قاعدته الانتخابية؛ إذ كانت قرابة 200 جمعية وطنية قد أعلنت دعم إعادة انتخابه بحلول منتصف يوليو/تموز، قبل اندلاع الأزمة، وإن تغيرت مواقف بعض الاتحادات لاحقاً.
الاتحاد الأفريقي يجدد دعمه لإنفانتينو
في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) دعمه بالإجماع لإعادة انتخاب إنفانتينو، وفق وكالة رويترز.
وخلال اجتماع في الرأس الأخضر، أكد رئيس كاف باتريس موتسيبي أهمية الشراكة مع فيفا وزيادة الاستثمارات في كرة القدم الأفريقية.
من جانبه، قال إنفانتينو إن الاتحاد الدولي خصص نحو مليار دولار لدعم كرة القدم في أفريقيا منذ توليه الرئاسة عام 2016.
ويعكس هذا التأييد صعوبة تحويل المعارضة الأوروبية إلى أغلبية انتخابية قادرة على إزاحته.
أوروبا تملك 70% من اقتصاد كرة القدم.. لكنها لا تملك أغلبية الأصوات
بحسب الأرقام التي نقلتها «فايننشال تايمز» عن إنفانتينو، تستحوذ أوروبا على نحو 70% من الاقتصاد الكروي العالمي، وتضم أبرز الأندية والبطولات وأكثرها جذباً لحقوق البث والاستثمارات.
لكن هذه الهيمنة الاقتصادية لا تمنح الاتحادات الأوروبية أصواتاً إضافية في انتخابات فيفا.
ولذلك، فإن إسقاط إنفانتينو يتطلب استمالة اتحادات من أفريقيا وآسيا والأميركتين، وليس مجرد توحيد الموقف الأوروبي.
أما التهديد بمقاطعة كأس العالم، فيظل خياراً صعباً بسبب الخسائر المحتملة للاتحادات واللاعبين والجماهير والرعاة.
وقد تراجعت الاتحادات الأوروبية عن المقاطعة بعد سحب مشروع بيع الحقوق التجارية، دون أن تتمكن من فرض رحيل الرئيس.
مقترح لتوزيع ملياري دولار من احتياطيات فيفا
في محاولة لتقديم بديل مالي، اقترح رئيس يويفا ألكسندر تشيفرين ورئيس اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) فيكتور مونتالياني توزيع ملياري دولار من احتياطيات فيفا على الأعضاء.
ووفق تقرير آخر نشرته «تايمز»، سيحصل كل اتحاد على نحو 10 ملايين دولار، بدلاً من ربط التمويل ببيع حصص من الحقوق التجارية.
ويشير المقترح إلى إدراك معارضي إنفانتينو أن أي تغيير في قيادة فيفا يحتاج إلى ضمان استمرار الدعم المالي للاتحادات الصغيرة.
شكاوى رسمية ضد إنفانتينو أمام لجان فيفا
لم تقتصر المعارضة على الخلافات المالية. ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قدم الاتحاد النرويجي شكاوى رسمية إلى لجنة الأخلاقيات ولجنة الحوكمة والتدقيق والامتثال في فيفا.
وطالب الاتحاد بالتحقيق في عدة قرارات، بينها مشروع بيع الحقوق التجارية، وجائزة فيفا للسلام، وإلغاء عقوبة إيقاف اللاعب الأميركي فولارين بالوغون خلال كأس العالم، وفق رويترز.
وتضاف هذه الشكاوى إلى الجدل بشأن المدفوعات التي كشفها تحقيق «تايمز»، ما يثير تساؤلات عن استقلالية أجهزة الرقابة داخل الاتحاد وقدرتها على مساءلة رئيسه.
وسبق أن انتقد ميغيل مادورو آليات المحاسبة في فيفا، معتبراً أن القواعد لا تطبق بالتساوي على جميع المسؤولين، وأن الضمانات المتاحة لإنفاذها باستقلالية غير كافية.
هل يخسر إنفانتينو انتخابات فيفا 2027؟
تُجرى انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم في 18 مارس/آذار 2027 بالعاصمة المغربية الرباط.
وأعلن السويسري رامون فيغا، المدافع السابق لتوتنهام والمنتخب السويسري، في 7 أكتوبر/تشرين الأول عزمه منافسة إنفانتينو، داعياً إلى إصلاح إدارة فيفا واستعادة الثقة في مؤسساتها، وفق هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية.
ولخوض الانتخابات، يحتاج أي مرشح إلى تزكية خمسة اتحادات وطنية على الأقل قبل إغلاق باب الترشح في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
لكن استيفاء شروط الترشح لا يضمن فرصة حقيقية للفوز؛ إذ يحتاج المنافس إلى بناء تحالف واسع داخل الجمعية العمومية، خصوصاً بين الاتحادات المستفيدة من برامج التمويل.
وفي الوقت نفسه، يواجه إنفانتينو مطالب بتوضيح طبيعة المدفوعات الأميركية وسبب عدم إدراجها في التقارير السنوية، ومدى توافق ذلك مع قواعد الشفافية.
ولم يتضح بعد ما إذا كان تحقيق «تايمز» سيؤدي إلى إجراءات رقابية أو قانونية بحق رئيس فيفا. كما أن تأثير القضية على مستقبله سيعتمد على موقف الاتحادات الوطنية ومدى استعدادها لتغيير القيادة.
وحتى الآن، تشير الأزمات السابقة إلى أن المعارضة الأوروبية، رغم قوتها الاقتصادية، لم تنجح في تفكيك التحالف الانتخابي الذي بناه إنفانتينو خلال عقد من رئاسته للاتحاد الدولي.
