لماذا لا تزال المستشفيات والمطارات تعتمد على أنظمة تقنية صُممت قبل عقود، في وقت وصلت فيه البشرية إلى الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي؟ الحادث الذي شهدته بنية اتصالات الطيران الموجهة لمطار نيوارك الأمريكي في أبريل/نيسان 2025، والذي تسبب بفقدان مراقبي الحركة الجوية للاتصال وصور الرادار لنحو 90 ثانية، يعكس حجم الاعتماد على بنية تحتية تقنية بالية.
هذه الأنظمة لا تزال موجودة لأنها تعمل بكفاءة مستقرة وثبتت موثوقيتها عبر عقود من الاختبار، ولأن استبدالها الكامل يمثل عملية عالية المخاطر والتكلفة.
ما هي الأنظمة القديمة ولماذا تستمر في العمل؟
يُقصد بالأنظمة القديمة تلك التطبيقات والأجهزة التي توقفت الشركة المصنعة عن دعمها، أو التي تعتمد على لغات برمجة وبروتوكولات عفا عليها الزمن. وعلى الرغم من استقرارها، فإن تغيير أي جزء منها قد يؤثر على عمليات مترابطة غير موثقة بدقة.
تظهر المشكلة بوضوح في القطاع الصحي والمطارات:
- الأجهزة الطبية: تستخدم أجهزة تصوير ومراقبة مرتبطة بأنظمة تشغيل منتهية الدعم مثل “ويندوز إكس بي”، حيث توقفت الشركات عن إرسال التصحيحات الأمنية لها.
- إدارة الطيران: تشير تقارير مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي (GAO) إلى أن عشرات الأنظمة الأساسية لإدارة الحركة الجوية غير مستدامة وتتطلب استثمارات طويلة الأجل لتحديثها.
تكلفة التأخير والمخاطر التشغيلية
لا تقتصر تكلفة الأنظمة القديمة على الصيانة فقط، بل تشمل الخسائر الفادحة عند حدوث أي خلل صغير يؤدي إلى تعطيل سلاسل العمليات:
- شركة “ساوث ويست” للطيران (ديسمبر 2022): أدت موجة طقس سيء إلى عجز نظام جدولة أطقم الطائرات عن التعامل مع التغيرات، مما أسفر عن إلغاء 16,700 رحلة وخسائر بـ 825 مليون دولار.
- توقف الطيران الأمريكي (يناير 2023): أدى حذف ملفات بالخطأ أثناء تزامن قواعد البيانات إلى أول توقف وطني لحركة الطيران منذ نحو 20 عاماً، مع إلغاء وتأخير آلاف الرحلات.
- ميناء سياتل (أغسطس 2024): تسبب هجوم فدية استهدف أنظمة قديمة في تعطيل الخدمات واضطرار الموظفين للعمل يدوياً، مع تسريب بيانات 90 ألف شخص.
- هيئة الخدمات الصحية البريطانية (2017): تسبب هجوم “واناكراي” الإلكتروني في تعطيل آلاف المواعيد الطبية بسبب اعتماد بعض المستشفيات على أنظمة “ويندوز” غير مدعومة.
أزمة لغات البرمجة القديمة ونقص الكفاءات
تعتمد المؤسسات المالية والحكومية الكبرى حتى اليوم على لغة برمجة “كوبول” (COBOL) التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي لمعالجة تريليونات المعاملات اليومية. وتكمن المشكلة في تشابك التعليمات البرمجية التي خضعت لمئات التعديلات اليدوية دون توثيق، مما يجعل فهمها مقصوراً على جيل المبرمجين الأوائل الذين تقاعد معظمهم.
وقد دفعت هذه التحديات الجهات المعنية للاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتحليل هذه الأكواد البرمجية، واكتشاف العلاقات بين مكوناتها، وإنشاء وثائق تقنية تساعد في عملية التحديث.
استراتيجيات التحديث التدريجي وإدارة المخاطر
إن الاستبدال الفوري للأنظمة القديمة كدفعة واحدة يرفع احتمالية فشل العمليات الحيوية. لذلك، تتجه المؤسسات نحو حلول آمنة تشمل:
- إعادة الاستضافة: نقل التطبيق القديم إلى بنية تحتية حديثة دون إعادة كتابة الأكواد بالكامل.
- البرمجيات الوسيطة: استخدام واجهات تكامل تسمح للنظام القديم بالتواصل مع التطبيقات الحديثة دون تفكيكه.
- التشغيل المتوازي: تشغيل النظام القديم والجديد جنباً إلى جنب مع نقل الوظائف تدريجياً لتقليل مخاطر التوقف الكامل.
إن الأنظمة القديمة تشكل عموداً فقرياً استمر لسنوات طويلة، لكن إهمال تحديثها يراكم المخاطر الأمنية ويهدد استقرار القطاعات الحيوية، مما يجعل التحديث التدريجي وإدارة المخاطر الخيار الأمثل للمستقبل.
