نبذة عن السوق الأفرنجي في الخرطوم
يعد السوق الأفرنجي في وسط الخرطوم أحد أبرز معالم العاصمة السودانية التاريخية والتجارية. امتد نشاطه تاريخياً على شارع الجمهورية والشوارع المتفرعة منه، واشتهر بتجارة الملابس، والأحذية، والأقمشة، والساعات المستوردة. ارتبط السوق في نشأته بتجار من الأرمن، والأغريق، والطليان، واليهود، قبل أن تتحول تركيبة أصحابه ورواده على مر السنين. كما ضم معالم شهيرة ومقاهٍ وثقافية مثل أتني، وسانت جيمس، وبابا كوستا، مما جعله ملتقى للفنانين والمثقفين والأجانب ورمزاً للذاكرة الاجتماعية للمدينة.
العودة بعد الحرب والتحديات الراهنة
بعد توقف دام طوال سنوات الحرب، بادر أصحاب المحال قبل نحو ثلاثة أشهر بإعادة فتح السوق ذاتياً. ويتركز النشاط الحالي في مربعين متقابلين على جانبي شارع الجمهورية، حيث استأنفت بعض محال الملابس، والأحذية، والساعات، والنظارات أعمالها، بينما تظل أجزاء واسعة من السوق مغلقة وتكسوها آثار الدمار والقصف.
ارتفع عدد المتواجدين في السوق من ثلاثة أشجار في بداية العودة إلى نحو مئة شخص حالياً. ويواجه التجار تحديات كبيرة، أبرزها:
- انقطاع التيار الكهربائي ونقص الخدمات.
- الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمتاجر والواجهات.
- ارتفاع تكاليف الصيانة، مما دفَع بعض التجار إلى عرض بضائعهم على طاولات متنقلة مؤقتة لتخفيض التكاليف.
نماذج من التجار العائدين
- عثمان قرشي أحمد: يعمل في إصلاح الساعات منذ سن السادسة عشرة وورث المهنة عن أجداده. كان من أوائل العائدين لمتجره، ويؤكد أن ظروف العمل تغيرت كلياً بسبب غياب الكهرباء وآثار الدمار.
- عمر محمد: واصل العمل من متجره الذي تعرض للقصف رغبةً في إحياء المكان الذي يرتبط بذكريات حياته المهنية.
- أبو القاسم علي: تاجر أحذية ومن أوائل العائدين، ويسعى جاهداً مع زملائه لتوسيع المساحات المتاحة رغم قلة الإمكانيات.
الببعاد الاجتماعي والنفسي لعودة السوق
يشير الباحث الاجتماعي السمؤال ضياء الدين إلى أن الأسواق التاريخية تتحول بمرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، لما تخلقه من علاقات إنسانية واجتماعية. وتعكس عودة التجار والرواد رغبة حقيقية في استعادة الحياة اليومية والارتباط بالمكان.
بالنسبة لرواد السوق القدامى مثل منتصر عبد الله، الذي عاد بعد غياب استمر نحو ثلاثة سنوات، يمثل المكان قيمة وجدانية تتجاوز البيع والشراء. فرغم الصدمة الكبيرة بسبب حجم الدمار وتغير ملامح بعض المعالم، تظل عودة الرواد والتجار خطوة أساسية لبعث الروح من جديد في أحد أهم رموز وسط الخرطوم.
