لم يكن الحفل الذي أقامته الجالية السودانية في أوغندا مجرد تجمع فني معتاد؛ بل تحول في لحظات إلى “تريند” ساخن شغل الرأي العام، بعد أن أقدم الفنان السوداني محمد تروس على تصرف غير مسبوق، حيث قام بنزع ملابسه “الجلابية” على خشبة المسرح أمام حشد كبير من الحضور، في مشهد وصفه الكثيرون بالصادم.
بين الصدمة والرسالة.. ماذا حدث على المسرح؟
وسط حضور نخبة من الفنانين والشعراء، فاجأ تروس الجميع بخلع ملابسه العلوية كجزء من أدائه المسرحي. هذا التصرف لم يمر مرور الكرام، حيث انتشرت مقاطع الفيديو بسرعة البرق على منصات التواصل الاجتماعي، لتنقل “الصدمة” من قاعة الاحتفال إلى كل بيت سوداني، وتفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود الجرأة في الفن، وهل يبرر “الوجع الوطني” الخروج عن الأعراف؟
الفنان السوداني محمد تروس يخلع ملابسه على المسرح.. هل هي صرخة ألم أم خروج عن المألوف؟ pic.twitter.com/Xhlk5pjG4c
— ميتالسي (@Metalsy_com) December 23, 2025
انقسام الجمهور: تعبير عن المعاناة أم إساءة للتقاليد؟
تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة فكرية حول الواقعة، وانقسمت الآراء إلى فريقين:
- الفريق المعارض: رأى أن ما حدث هو خرق صارخ للتقاليد السودانية المحافظة، واعتبروا أن الاحتفال الاجتماعي ليس مكاناً لتصدير الصدمات البصرية، واصفين الأسلوب بـ”الخاطئ” مهما كانت النوايا.
- الفريق المؤيد (أو المتفهم): اعتبر أن تروس قدم “فناً شجاعاً” وصرخة احتجاجية تجسد حالة “التعري” والانكشاف التي يعيشها الوطن بسبب الحرب، وأن الرسالة كانت أبلغ من أن تُحصر في زاوية الأخلاق التقليدية.
رأي النقاد: هل نجح “التعري” في إيصال الرسالة؟
لم يقتصر الجدل على الجمهور العام، بل تدخل النقاد لتشريح الموقف من زاوية مهنية وفنية، بعيداً عن الانفعالات العاطفية.
1. الواقع السياسي أقسى من المشهد الفني
وفي تصريحات صحفية، قلل الصحافي والناقد محمد عبد الماجد من هول “الصدمة المسرحية” مقارنة بما يحدث في الواقع السوداني. وأشار إلى نقطة جوهرية:
“إن ما يجري في السودان بسبب الحرب أفظع بكثير من تصرف فنان على المسرح. الواقع مؤلم وهو الأولى بالإصلاح”. ويرى عبد الماجد أن الهجوم على تروس جاء محملاً بمواقف سياسية مسبقة؛ فمؤيدو الحرب هاجموه، بينما رآه المعارضون للحرب صوتاً معبراً عنهم، مؤكداً أن الفن دائماً ما يكون مرآة صادقة للواقع، حتى وإن كان صادماً.
2. صدمة نجحت في “الانتشار” وفشلت في “التأثير”
من جانب آخر، قدم الناقد هيثم أحمد الطيب تحليلاً مغايراً، واصفاً ما حدث بأنه يندرج تحت “فنون الأداء الصادمة” التي تهدف لتحريك المياه الراكدة. يؤكد الطيب أن تروس نجح فعلاً في صناعة “صدمة قوية” لفتت الأنظار، لكنه أخفق في توجيه النقاش. بدلاً من أن يتحدث الناس عن قضية الحرب والسلام التي أراد الفنان إبرازها، انشغل الجميع بالحديث عن “جسد الفنان” ومخالفته للأعراف. ويختتم الطيب رأيه قائلاً:
“المشروع الفني فشل في هدفه الأساسي؛ لأن النقاش حول (التعري) طغى تماماً على النقاش حول (السلام)، مما أضعف قيمة الرسالة الوطنية”.
تظل حادثة محمد تروس درساً في العلاقة الشائكة بين الفن والمجتمع. فبينما يسعى الفنان أحياناً للصدمة كوسيلة لإيقاظ الضمائر، قد تأتي ردة الفعل العكسية من المجتمع لتقتل الرسالة في مهدها، وتُغرق المضمون في شكليات الأداء.
المصدر:
العربية.نت
