في تحرك سعري وصفه مراقبون بأنه “الأكثر جنوناً” منذ عقود، شهدت أسواق المعادن الثمينة اليوم، 26 يناير 2026، انفجاراً سعرياً غير مسبوق. لم تكتفِ أسعار الفضة والذهب بكسر الحواجز النفسية، بل حطمت أرقاماً قياسية تاريخية، مما أثار موجة من الذعر والطمع في آن واحد بين المتداولين العالميين.
بحلول الساعة 19:30 بتوقيت الرياض، كانت الفضة هي نجمة العرض بلا منازع، حيث حلقت بأكثر من 11% في جلسة واحدة، مسجلة قمة تاريخية جديدة عند 113.69 دولار للأونصة، قبل أن تستقر قليلاً عند مستويات 113.5 دولار. في غضون ذلك، لم يكن الذهب بعيداً عن المشهد، حيث اخترق المعدن الأصفر حاجز الـ 5000 دولار بقوة، مرتفعاً بأكثر من 2%، لتسجل العقود الفورية 5092.9 دولار للأوقية، بينما قفزت عقود إبريل الآجلة لتتداول عند 5112 دولار.
هذا الصعود الصاروخي يطرح أسئلة جوهرية: هل هذا هو “الوضع الطبيعي الجديد” للمعادن، أم أننا أمام فقاعة توشك على الانفجار؟
الفضة: هل يعيد التاريخ سيناريو “الإخوة هانت”؟
كشف أحدث تقرير صادر عن محللي المعادن الثمينة في شركة “هيريوس” (Heraeus) العملاقة، أن التقييم الحالي للفضة قد يكون مبالغاً فيه بشكل كبير، خاصة عند مقارنته بالذهب.
مؤشرات فنية تنذر بالخطر
يرى المحللون أن الأداء الخارق للفضة مقارنة بالذهب خلال الأشهر التسعة الماضية يشير إلى أن هذا “الرالي” (الصعود القوي) قد يقترب من ذروته. ويستندون في ذلك إلى مؤشرين رئيسيين:
- انهيار نسبة الذهب إلى الفضة: تاريخياً، تعتبر هذه النسبة مؤشراً حيوياً لتحديد أي المعدنين أغلى أو أرخص نسبياً. لقد هبطت هذه النسبة بشكل دراماتيكي من مستوى 105 في أبريل 2025 إلى أدنى مستوى لها الأسبوع الماضي عند 49 فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2013. هذا التحول السريع جداً في أقل من عام يعتبر “استثنائياً تاريخياً” ونادراً ما يستمر طويلاً دون تصحيح.
- التطرف السعري (تشبيه بـ 1980): وصف محللو هيريوس رالي الفضة الحالي بأنه “الأكثر تطرفاً” منذ المحاولة الشهيرة للأخوين “هانت” لاحتكار سوق الفضة عام 1980. وللتوضيح، ففي 23 يناير، عندما كسر السعر حاجز 100 دولار، كان السعر أعلى بنسبة 54% من متوسطه المتحرك لـ 200 يوم. المثير للقلق أن هذه النسبة هي نفسها التي سبقت انهياراً سعرياً كارثياً بنسبة 44% في عام 1974.
ردود فعل السوق: يقول “مايكل تشانغ”، كبير استراتيجيي السلع في صندوق تحوط بسنغافورة: “ما نراه في الفضة هو حركة مدفوعة بالزخم البحت (Momentum Trading)، الأساسيات لا تبرر 113 دولاراً بهذه السرعة. الكثير من المتداولين الجدد يقفزون في القطار الآن خوفاً من فوات الفرصة، وهذا غالباً ما يحدث في قمة السوق.”
الصناعة تبدأ “تمردها” ضد الفضة الغالية
على الجانب الآخر من معادلة التداول، بدأت الأسعار القياسية في تدمير الطلب الصناعي الحقيقي، وهو المحرك الأساسي لأسعار الفضة على المدى الطويل. القطاعات الحساسة للسعر، وخاصة قطاع الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV)، بدأت بالفعل في البحث عن بدائل.
- الهروب إلى النحاس: الفضة عنصر أساسي في الألواح الشمسية بسبب موصليتها العالية للكهرباء. لكن مع هذه الأسعار، تعمل الشركات المصنعة ليل نهار لتقليل كمية الفضة المستخدمة أو استبدالها بالكامل بحلول تعتمد على النحاس الأرخص بكثير.
- مثال عملي من الصين: أعلنت شركة “DK Electronic Materials” الصينية الرائدة عن تطوير تجاري لأنظمة تعتمد على النحاس لإنتاج الخلايا الشمسية على نطاق واسع. يرى المحللون أن هذا “التكيف الصناعي” سيعمل كقوة جاذبية قوية لتهدئة أسعار الفضة في المستقبل القريب، حيث لن تتمكن الصناعة من تحمل هذه التكاليف الباهظة.
الذهب يواصل التحليق: أزمة المعروض تتجاهل السياسة
بينما قد تكون الفضة في منطقة “فقاعة”، فإن صعود الذهب يبدو مدعوماً بأساسيات مختلفة. المثير للاهتمام أن الذهب تجاهل تماماً الأنباء الإيجابية عن تراجع حدة التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن ملف “جرينلاند”، وواصل رحلته نحو مستويات قياسية جديدة، مسجلاً 5,111.51 دولاراً للأوقية في وقت مبكر من صباح الاثنين.
صدمة الإنتاج في مالي
السبب الحقيقي وراء قوة الذهب يكمن في أزمة المعروض الحقيقية. شهد إنتاج الذهب التجاري في مالي، أحد كبار المنتجين في أفريقيا، انهياراً بنسبة 23% في عام 2025 ليصل إلى 42.2 طناً فقط.
السبب الرئيسي كان تعليق العمل في منجم “لولو غونكوتو” (Loulo-Gounkoto)، أكبر منجم في البلاد، نتيجة نزاع مرير بين الحكومة وشركة “باريك” (Barrick) المشغلة للمنجم.
النظرة المستقبلية: ورغم التوصل لاتفاق مؤخرًا وعودة السيطرة التشغيلية لشركة باريك، إلا أن الأضرار قد وقعت بالفعل. العودة للإنتاج الكامل قد تستغرق أشهراً طويلة، مع توقعات متشائمة بانخفاض الإنتاج إلى 19 طناً فقط في عام 2026. هذا النقص الحاد في المعروض الفعلي يدعم الأسعار بقوة بغض النظر عن العوامل السياسية المؤقتة.
هل نشتري أم نبيع؟
حذر محللو “هيريوس” في ختام تقريرهم من أنه على الرغم من أن الأسعار الحالية تبدو “متطرفة” ومبالغاً فيها، إلا أن الرالي قد يستمر لفترة قصيرة مدفوعاً بالجنون الشرائي.
لكنهم أكدوا أن “التاريخ يشير إلى أننا أقرب إلى النهاية من البداية”. بعبارة أخرى، المخاطرة الآن مرتفعة للغاية، ويجب على المتداولين توقع تقلبات سعرية عنيفة وحادة في كلا الاتجاهين في الفترة القادمة.
المصدر: تقارير شركة هيريوس (Heraeus)
