في أواخر القرن التاسع عشر، كان العالم يعتقد أن الفيزياء قد اكتملت، وأن الذرة هي وحدة البناء النهائية والصلبة التي لا تقبل التجزئة. لكن، وسط هذا السكون العلمي، انبعث ضوء أزرق خافت من مختبر متواضع في باريس.
ضوء لم يكن مجرد توهج كيميائي، بل كان انفجاراً فكرياً حطم مفاهيم المادة والزمن. هذا الضوء كان يصدر عن عنصر الراديوم، البطل الغامض في ملحمة ماري وبيير كوري.
لغز الطاقة التي لا تنفد: ما هو الراديوم؟
عندما بدأ الزوجان كوري أبحاثهما، كان المصطلح السائد هو “أشعة اليورانيوم”. لكن ماري كوري، بحدسها الاستثنائي، أدركت أن ما يحدث ليس مجرد انبعاث ضوئي، بل هو تفكك داخلي للمادة نفسها. أطلقت على هذه الظاهرة اسم “النشاط الإشعاعي” (Radioactivity).
الراديوم، الذي اشتق اسمه من الكلمة اللاتينية “Radius” (بمعنى شعاع)، لم يكن مجرد عنصر جديد في الجدول الدوري؛ كان تحدياً صارخاً لقانون “بقاء الطاقة”. كيف يمكن لقطعة صغيرة من المعدن أن تولد حرارة وضوءاً لسنوات طويلة دون أن تحترق أو تتغير ظاهرياً؟ كانت هذه الشرارة التي قادت الفيزيائيين لاحقاً لاكتشاف الطاقة النووية المختبئة في قلب الذرة.
مأساة وصمود: المختبر الذي صنع التاريخ
لا يمكن الحديث عن الراديوم دون استحضار صورة “المخزن” الذي عمل فيه الزوجان كوري. لم يكن مختبراً بالمعنى الحديث، بل كان غرفة مهجورة تفتقر لأدنى معايير السلامة.
هنا، تبرز القيمة الإنسانية والاحترافية في قصتهما؛ فقد قاما بمعالجة أطنان من خام “البيتشبليند” يدوياً.

القيمة المضافة: الجانب المظلم للجمهور
في تلك الحقبة، تحول الراديوم إلى “هوس” تجاري (Radium Craze). ولأن العالم لم يكن يدرك مخاطر الإشعاع، دخل الراديوم في صناعة مستحضرات التجميل، ومعاجين الأسنان، وحتى الساعات المضيئة.
كان يُسوق له كإكسير للحياة والجمال. لكن الثمن كان باهظاً؛ فالعاملات اللواتي كن يدهنّ عقارب الساعات بالراديوم (المعروفات بـ “فتيات الراديوم”) بدأن يعانين من نخر العظام والسرطانات، مما أدى لاحقاً إلى وضع أولى قوانين السلامة المهنية في التاريخ.
ماري كوري: أيقونة نوبل المزدوجة
تعد ماري كوري الحالة الفريدة في تاريخ العلم؛ فهي ليست فقط أول امرأة تفوز بجائزة نوبل، بل هي الشخص الوحيد الذي حصل عليها في مجالين علميين مختلفين:
- نوبل في الفيزياء (1903): بالاشتراك مع بيير كوري وهنري بيكريل، تقديراً لأبحاثهم في ظاهرة الإشعاع.
- نوبل في الكيمياء (1911): تقديراً لنجاحها في عزل الراديوم النقي وتحديد خصائصه.
هذا الإنجاز كان انتصاراً للمرأة في بيئة أكاديمية كانت توصد أبوابها أمام النساء. لقد أثبتت ماري أن العقل العلمي لا يعرف التمييز، وأن الإصرار يمكن أن يطوع أصعب عناصر الطبيعة.
كيف غير الراديوم وجه الطب والفيزياء؟
بمجرد اكتشاف خصائص الراديوم، أدرك بيير كوري قدرته على تدمير الأنسجة الحية. وبدلاً من الخوف، فكر في توظيف ذلك لخدمة البشرية.
- علاج السرطان: نشأ ما يعرف بـ “علاج كوري” (Curietherapy)، وهو السلف المباشر للعلاج الإشعاعي الحالي. استُخدمت بذور الراديوم لتقليص الأورام، مما منح الأمل لملايين المرضى.
- فهم بنية الذرة: لولا اكتشاف النشاط الإشعاعي للراديوم، لما تمكن إرنست رذرفورد من إجراء تجاربه التي كشفت عن وجود “نواة” داخل الذرة، وهو الاكتشاف الذي نقلنا من الفيزياء الكلاسيكية إلى الفيزياء الكمية.

دروس مستفادة من حياة ماري وبيير كوري:
إن التأمل في مسيرة هذا الثنائي يمنحنا دروساً تتجاوز حدود العلم لتلامس جوهر الحياة:
- العلم كرسالة لا تجارة: رفض آل كوري تسجيل براءة اختراع لاستخراج الراديوم، مؤكدين أن العلم ملك للفقراء والأغنياء على حد سواء. هذا النبل هو ما يفتقده العالم اليوم في ظل احتكار المعرفة.
- التعامل مع المجهول بشجاعة: لم يتوقفوا عن البحث رغم الآلام الجسدية والقروح التي ظهرت على أيديهم. الدرس هنا هو أن التقدم يتطلب دائماً نوعاً من التضحية.
- الشراكة الفكرية: نجاحهما كان ثمرة حوار دائم بين فيزيائي لامع وكيميائية عبقرية، مما يبرز أهمية العمل الجماعي وتداخل التخصصات (Interdisciplinary research).
الإرث الذي لا يزال يشع:
توفيت ماري كوري في عام 1934، لكنها لم تغادرنا تماماً. إن مفاعلاتنا النووية، وأجهزة التصوير الطبي في مستشفياتنا، وحتى القوانين التي تحمي العمال من الإشعاع، كلها تحمل توقيع ماري وبيير كوري.
لقد كان الراديوم هو “النار” الجديدة التي سرقها آل كوري من الطبيعة ليهدوها للبشرية. وكما تقول ماري كوري: “لا يوجد في الحياة ما نخشاه، يوجد فقط ما نحتاج لفهمه”.
هل تعلم أن ماري كوري كانت تحمل أنابيب اختبار تحتوي على نظائر مشعة في جيوب معطفها؟ هذا التعرض المستمر جعل جثمانها نفسه مشعاً.
مما اضطر السلطات الفرنسية عند نقل رفاتهم إلى “البانتيون” (مقبرة العظماء) في عام 1995، إلى وضعها في نعش مبطن بطبقة سميكة من الرصاص لحماية الزوار.
المصادر:
- موقع جائزة نوبل الرسمي
- مؤسسة كوري في باريس
- المكتبة الوطنية الفرنسية
- مجلة “نيتشر” العلمية
قسم الأسئلة الشائعة حول ماري كوري والراديوم
لماذا تُعد ماري كوري شخصية استثنائية في تاريخ العلم؟
تعتبر ماري كوري استثنائية لأنها أول امرأة تفوز بجائزة نوبل، والشخص الوحيد في التاريخ الذي فاز بالجائزة في مجالين علميين مختلفين (الفيزياء والكيمياء)، بالإضافة إلى اكتشافها عنصري البولونيوم والراديوم وتأسيسها لنظرية النشاط الإشعاعي.
ما هو عنصر الراديوم وكيف تم اكتشافه؟
الراديوم عنصر كيميائي مشع نادر (رمز الكيميائي Ra). اكتشفه الزوجان كوري عام 1898 بعد معالجة أطنان من خام “البيتشبليند”، حيث لاحظا انبعاث إشعاع قوي جداً لا يمكن تفسيره بوجود اليورانيوم وحده.
هل مذكرات ماري كوري لا تزال مشعة حتى اليوم؟
نعم، مذكراتها ومعداتها المخبرية وحتى كتب الطبخ الخاصة بها لا تزال مشعة وستبقى كذلك لمدة 1600 عام قادمة (نصف عمر الراديوم). وهي محفوظة حالياً في صناديق رصاصية بالمرتبة الوطنية في باريس.
كيف ساهم الراديوم في علاج مرض السرطان؟
اكتشف بيير وماري أن الإشعاع المنبعث من الراديوم يمكنه تدمير الخلايا السرطانية أسرع من الخلايا السليمة، مما أدى لظهور “علاج كوري” الذي تطور لاحقاً ليصبح العلاج الإشعاعي الحديث المستخدم في المستشفيات اليوم.
لماذا رفض الزوجان كوري تسجيل براءة اختراع للراديوم؟
رفضا ذلك لأسباب أخلاقية، حيث آمنا بأن العلم يجب أن يكون متاحاً للجميع دون قيود مادية، وأن العناصر الطبيعية لا يجب أن تكون ملكية خاصة، مما فوت عليهما ثروة طائلة في سبيل خدمة البشرية.